أولاً:- تمهيد : سبق أن ذكرت في مقال سابق بتاريخ ( 13 / أكتوبر / 2025 م ) كلمة بعنوان [ النماص اليوم .. تنهي أعمال كتابها الجزء “الأول” لمقالات الدكتور ابن جريس ] ، وهذا الكتاب تحت الطباعة وسوف يرى النور قريباً(بإذن الله)، ونحن نراجع مسودة هذا المُوَلف ومايحتوي عليه من مقالات تزيد على المئة عنوان متنوعة في موضوعاتها وأزمانها وأماكنها، رايت أن اسجل هذا المقال التوثيقي، وذلك من باب الإعجاب بالتنوع المعرفي في هذه المادة الصحفية التي تحتوي على مواد تاريخيّة وحضارية تحت إشراف أستاذ ومؤرخ قضى عمره كله في دراسة وتوثيق تاريخ بلاده جنوب البلاد السعودية ( تهامة وسراة ) عبر عصور التاريخ ، وما موسوعته الموسومة بـ ( القول المكتوب في تاريخ الجنوب ) ( 32 ) مجلدا ، إلا دليل على ماتم ذكره أعلاه.
ويتناول مقالي ( بحثي ) هذا قراءة مبسطة لدور الصحافة المحلية في حفظ الذاكرة التاريخية والثقافية للمجتمع الجنوبي في المملكة العربية السعودية، من خلال تتبع المقالات التي كتبها الدكتور غيثان بن جريس في صحيفة النماص، والمقالات التي كُتبت عن أعماله وتجربته العلمية. ويهدف البحث إلى إظهار كيف تتحول المادة الصحفية اليومية، مع تراكمها عبر الزمن، إلى وثيقة تاريخية واجتماعية تعكس تحولات المكان والإنسان والتعليم والثقافة والوعي المجتمعي. وسوف اعتمد لغة سهلة، واضحة، غير أكاديمية مع المحافظة على سلامة الأسلوب ودقة المعنى، ليكون قريبًا من القارئ العام والباحث في آن واحد.
حين يفتح القارئ صحيفة محلية في صباح عادي، قد يظن أنه يقرأ خبرًا عابرًا أو مقالًا ينتمي إلى يومه فقط، ثم يمضي. لكنه في الحقيقة، وهو لا يشعر، يمسك بيده قطعة صغيرة من التاريخ. فكل كلمة تُكتب عن مكان، وكل اسم يُذكر لإنسان، وكل صورة تُنشر لحدث، تتحول مع مرور الزمن إلى وثيقة تحمل في داخلها صورة لحياة الناس في لحظة معينة من الزمن. وهذا المقال خرج من هذا المعنى البسيط. ولم يأتِ من رفوف الأقسام العلمية والكليات والجامعات وحدها، ولا من مكاتب الباحثين فقط، بل جاء من صفحات صحيفة محلية حملت صوت الناس، وأخبار القرى، وحكايات المدن، وذاكرة الجنوب السعودي ( سراته وتهائمه ) في زمن يتغير بسرعة. وهو محاولة لتحويل المقالات التي كُتبت في لحظتها اليومية إلى قراءة طويلة المدى، تكشف قيمتها كونها سجلًا ثقافيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. ولا يسعى هذا العمل إلى تقديم دراسة أكاديمية محصورة على المتخصصين وحدهم، بل يهدف إلى مخاطبة القارئ البسيط بلغة سهلة، واضحة، تحترم عقله دون أن تثقله بالمصطلحات، وتفتح له بابًا لفهم التاريخ والمجتمع من خلال الحياة اليومية كما عاشت في الخبر والمقال والصورة والتقرير الصحفي.
ثانيا:- الصحافة المحليّة ذاكرة للمجتمع : ليست كل صحيفة مجرد أوراق تُقرأ ثم تُنسى. بعض الصحف تتحول، مع مرور الزمن، إلى بيت للذاكرة. يدخل إليه الناس بأخبارهم، ويتركون فيه أسماءهم وصورهم وحكاياتهم، ثم يخرجون، ويبقى الأثر محفوظًا لمن يأتي بعدهم. وارجو أن تكون صحيفة النماص اليوم أدت هذا الدور عبر سنوات طويلة، فكانت تسجل حياة الجنوب كما هي، يومًا بعد يوم، من خلال أخبار المدارس، والندوات، والتكريمات، والكتب، والرحلات، والمشروعات الاجتماعية والثقافية، وتواريخ وأنشطة أخرى متنوعة ومتفاوتة في ميادينها. ومع تراكم هذه المواد، تشكل أرشيف حي يستطيع القارئ والباحث أن يعود إليه ليرى كيف تغيّر المكان، وكيف تطورت حياة الناس، وكيف تحولت القرى إلى مدن، والطرق الترابية إلى شوارع معبدة، والمجالس الصغيرة إلى ملتقيات ثقافية واسعة. وفي هذا الإطار ظهرت المقالات التي كتبها الدكتور غيثان بن جريس على انها نموذجًا خاصًا يجمع بين الباحث والصحفي، وبين المؤرخ والقارئ العادي. فهي مقالات لا تكتفي بسرد المعلومة، بل تحاول أن تشرح، وتربط، وتضع الحدث في سياقه الاجتماعي والثقافي.
وحين يكتب المؤرخ أو الباحث في صحيفة محلية، فإنه لا يكتب من مسافة بعيدة. ولا يخاطب جمهورًا مجهولًا في مكان لا يعرفه، بل يكتب لأناس يعرفهم ويعرفون مكانه. يعرف القرى والمدن والأسواق والبلدان التي يذكرها، والطرق التي يصفها، والأسماء التي يوردها. لهذا جاءت مقالات الدكتور غيثان في – صحيفة النماص – قريبة في نبرتها من القارئ. فهي لا تعتمد لغة معقدة، ولا تغرق في المصطلحات، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن الدقة، ولا عن الإشارة إلى المصادر، ولا عن احترام التاريخ بوصفه علمًا ومسؤولية. ومن اللافت في صفحات الصحيفة أيضًا تلك المقالات التي لم يكن الدكتور غيثان هو كاتبها، بل كان موضوعها. مقالات تتحدث عن كتبه، وموسوعاته، ومشاركاته العلمية، وتكريماته، وحضوره في الندوات واللقاءات والملتقيات والمؤتمرات. وهذه النصوص تكشف جانبًا مهمًا من العلاقة بين الباحث والمجتمع، وكيف ينظر الناس إلى من يكتب عن تاريخهم ويجمع ذاكرتهم في كتب ومجلدات كبيرة .
ثالثا :- المقال الصحفي والمكان وثيقة وقصة: قد يتساءل القارئ، هل يمكن لمقال في صحيفة أن يكون مصدرًا للتاريخ؟ الإجابة البسيطة: نعم، إذا قُرئ في سياقه الزمني والاجتماعي. فالمقال الصحفي يحمل في داخله ثلاثة عناصر أساسية: الزمن الذي كُتب فيه، والحدث الذي تناوله، واللغة التي عبّر بها عن هذا الحدث. ومن خلال هذه العناصر، يستطيع القارئ بعد سنوات أن يفهم كيف كان الناس ينظرون إلى أنفسهم، وإلى مكانهم، وإلى قضاياهم اليومية. وحين نجمع مقالات من مؤرخ محلي جاد كُتبت على مدى أكثر من عشر سنوات، ونضعها جنبًا إلى جنب، فإننا لا نحصل فقط على مجموعة نصوص، بل على خريطة زمنية للتغير. نرى كيف تطور الحديث عن التعليم ومجالات حضارية عديدة ، وكيف تغير الاهتمام بالمكتبات، وكيف أصبح التكريم الثقافي جزءًا من الحياة العامة، وكيف تحولت الصحافة المحلية إلى مساحة للنقاش والحوار حول الهوية والإنسان والتاريخ والمستقبل.
والجنوب السعودي ( تهامة وسراة )، لا يُقرأ المكان بوصفه مساحة جغرافية فقط، بل هو حضارة إنسان وتاريخ وقصة أوطان ( الجبال، والأودية، والقرى، والمدن ، والمناطق ، والطرق ، والأسواق وغيرها )، وكلها تحمل في داخلها حكايات عن الناس الذين عاشوا فيها، وسافروا عبرها، وبنوا بيوتهم على سفوحها، وزرعوا في أوديتها، وفتحوا مدارسهم في أحيائها. وفي معظم المقالات التي نُشرت في – صحيفة النماص -، يظهر هذا المعنى بوضوح. فالمدينة لا تظهر كمجموعة مبانٍ، بل كمكان لقاء. تلتقي فيها القرية بالجامعة، والتاجر بالطالب، والمعلم بالباحث. وتظهر القرية على انها القلب الهادئ للحكاية، حيث تبدأ الذكريات الأولى، وتتكون العلاقة مع الأرض والناس. أما الطريق، فيظهر بوصفه بداية القصة. طريق يربط بين القرى والمدن، وبين الماضي والحاضر، وبين الجبل والسهل. ومن خلال هذا الطريق، يتحرك الناس، وتنتقل الأخبار، وتتشكل شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية.
رابعا :- الجبل والوادي، والمدرسة والمكتبة جزء من حياة الناس: ان جنوب المملكة العربية السعودية بلدان ومناطق تتكلم فيها الأرض قبل أن يتكلم الناس. الجبال العالية، والأودية العميقة، والضباب، والمطر، والحر والبرد وغيرها، كلها تشكل لغة خاصة للمكان. وفي هذه المقالات الخاصة بالدكتور غيثان وغيره، لا تُذكر الجبال كارتفاعات على الخريطة فقط، بل كأماكن عاش فيها الناس حياة كاملة. زرعوا ورعوا فيها،وبنوا بيوتهم على سفوحها، وشقوا طرقهم بصبر طويل. ويظهر الوادي بوصفه طريق الحياة القديم، الذي سارت فيه القوافل، وتحركت التجارة، وانتقلت الأخبار. وهكذا، يتحول وصف الطبيعة إلى وصف للحياة الاجتماعية نفسها، لأن الأرض هنا ليست خلفية صامتة، بل شريكًا في تشكيل الذاكرة.
في بعض النصوص المنشورة على صفحات الصحيفة، تُظهر التعليم أو المدرسة بوصفها نقطة تحول في حياة الناس. خبر عن افتتاح مدرسة، أو تقرير عن تكريم معلم، أو حديث عن طلاب متفوقين، يتحول، حين يُقرأ بعد سنوات، إلى علامة على مرحلة كاملة من التغيير الاجتماعي. والمعلم يظهر على انه الوجه الأول للثقافة، فهو أول من يفتح للطفل باب المعرفة، وأول من يعرّفه بقيمة الكتاب والقراءة. وحين يكرم المجتمع معلمه، فهو في الحقيقة يكرم العلم نفسه. أما المكتبة، فتظهر مكان اللقاء الصامت. ومكان يجلس فيه القارئ وحده، لكنه في الحقيقة يجلس مع عشرات العقول التي كتبت الكتب من قبله. وحين تُذكر مكتبة في خبر أو مقال، لا يُذكر مبنى فقط، بل يُذكر معنى: أن هناك من يهتم بالكلمة، ويحاول أن يحفظها من الضياع.
خامسا:- تعليم البنات والتحول الاجتماعي، والمجلس والملتقى الثقافي، والأمن الاجتماعي : من الموضوعات التي برزت في هذه المقالات المنشورة في الصحيفة، موضوع تعليم البنات. وهو موضوع لا يُقرأ فقط كقرار إداري، بل كقصة اجتماعية طويلة. قصة فيها تردد في البداية، ثم قبول، ثم فخر بالإنجازات.حين نقرأ أخبار افتتاح مدارس للبنات، أو تقارير عن نجاح طالبات، أو تكريم معلمات، نرى كيف يتحول هذا الموضوع من نقاش إلى واقع يومي. ويظهر البيت هنا بوصفه شريكًا للمدرسة في التغيير، لأن قرار إرسال البنت إلى المدرسة هو في جوهره قرار ثقافي واجتماعي، لا تعليمي فقط.
وإذا كانت المدرسة هي المكان الرسمي للتعلم، فإن المجلس هو المدرسة غير الرسمية. في المجالس تُروى القصص، وتُناقش الأخبار، ويعلّق الناس على ما يقرؤونه في الصحيفة، ويتبادلون الآراء حول ما يحدث في قريتهم أو مدينتهم. وفي أخبار الندوات ( والسمينارات ) والملتقيات العلمية والمعرفية و الثقافية التي نُشرت في صحيفة النماص، يظهر المجلس بوصفه مساحة عامة للحديث عن التاريخ، والكتب، والتعليم، وقضايا المجتمع. وهنا لا يكون المتحدث أستاذًا فقط، بل يكون جارًا أو صديقًا أو أحد أبناء المنطقة.
ويشتمل الحديث في بعض مقالات الصحيفة عن الأمن والأمان على انه جزءًا من الحياة اليومية، لا شعارًا رسميًا فقط. فالناس يخرجون إلى أعمالهم مطمئنين، والأطفال يذهبون إلى مدارسهم بلا خوف، والمجالس تفتح أبوابها في المساء للحديث والسمر. وهذه التفاصيل الصغيرة، حين تُذكر في خبر أو مقال، تعكس صورة عامة عن الاستقرار الاجتماعي والحضاري، بوصفه أساسًا لكل نشاط ثقافي وتعليمي ومعرفي.
سادسا:- السيرة والتكريم جزءًا من ذاكرة المكان ، والصحيفة والمقال : بعض المقالات التي كُتبت عن الدكتور غيثان بن جريس، وعن كتبه وموسوعاته وتكريماته، لا تُقرأ فقط بوصفها سيرة شخصية، بل صورة أو نموذج تاريخ المكان نفسه. لأن الباحث حين يكتب عن منطقة أو ناحية سنوات طويلة، يصبح اسمه مرتبطًا بها في ذاكرة الناس. وخبر عن تكريم قد يبدو بسيطًا في لحظته، لكنه حين يُقرأ بعد سنوات، يتحول إلى حكاية عن مجتمع يقدّر العلم، ويرى في الباحث قيمة عامة، لا شأنًا خاصًا.
وهذا المقال، وربما أطلق عليه اسم (بحث) لا يلغي دور الصحيفة، بل يبني عليه. وهو محاولة لإعادة قراءة ما كُتب ليُقرأ في يومه، وجعله يُقرأ بعد سنوات، لفهم ماذا كان يعني في زمانه، وماذا يعني لنا اليوم. والمقالات التي كتبها الدكتور غيثان في صحيفة النماص، والمقالات التي كتبها الآخرون عنه، تتحول هنا من أخبار متفرقة إلى سرد متصل. سرد عن باحث يكتب عن مكانه، وصحيفة تحتضن هذا الصوت، ومجتمع يقرأ ويشارك ويعلّق ويكرم.
سابعا : وفي النهاية: حين نغلق صحيفة اليوم، نظن أن ما قرأناه انتهى. لكن الحقيقة أن بعض الكلمات لا تنتهي. تبقى في الذاكرة، وتبقى في الصور، وتبقى في القصص التي يرويها الناس لبعضهم.وهذا البحث أو ( المقال ) حاول أن يجمع تلك الكلمات التي كُتبت في لحظتها، ليجعلها تُقرأ خارج لحظتها. وحاول أن يحول الخبر إلى حكاية، والمقال إلى كتاب ، والصحيفة إلى ذاكرة طويلة المدى. والغاية البسيطة من هذا كله أن لا يبقى التاريخ بعيدًا في الكتب الكبيرة وحدها، بل قريبًا في الكلمات التي يفهمها كل إنسان، وفي القصص التي يرى فيها نفسه ومكانه ومجتمعه.




التعليقات