1 – مـدخـل : تعد نجران وصعدة وصنعاء من أهــم الحواضر التاريخية في جنوب الجزيرة العربية، لما احتضنته من نشاط تجاري وثقافي وعسكري وسياسي عبر عصور طويلة تمتد من ما قبل الإسلام إلى العصر الحديث. وشكّلت العلاقات بين هذه الحواضر الثلاث محوراً مؤثراً في تشكيل الهوية التاريخية لمنطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، من خلال التفاعل الديني والسياسي والاقتصادي، ومن خلال موجات الصراع التي كانت تبرز في مراحل معينة من التاريخ ثم تعود إلى الاستقرار والتبادل الحضاري في مراحل أخرى.
تلخص هذه الدراسة التحولات الجوهرية في العلاقات بين نجران وصعدة وصنعاء عبر أربعة محاور رئيسة: العلاقات قبل الإسلام ، وفي صدر الإسلام والعصر الإسلامي المبكر، وخلال العصرين الوسيط والمتأخر، ثم العلاقات في ظل الدولة العثمانية والدولة السعودية والدولة الإمامية في اليمن .
2- نبذة عن العلاقات بين نجران وصعدة وصنعاء قبل الإسلام : شهدت الفترة التي سبقت الإسلام نشاطاً تجارياً واسعاً في جنوب الجزيرة العربية، ومثّلت نجران وصعدة وصنعاء مراكز محورية في هذا النشاط. و كانت نجران في تلك الفترة مركزاً دينياً وتجارياً مهماً، واشتهرت بوجود الطائفة النجرانية المسيحية التي لعبت دوراً مؤثــراً في العلاقات السياسية مع ممالك الجنوب، بما في ذلك حمير وحضرموت وحاضرة صنعاء.
أما صعدة فكانت مركزاً زراعياً وقبلياً، بينما كانت صنعاء عاصمة حكم ملوك حمير في فترات متعددة، ما جعلها مركز القرار السياسي. وتشير المصادر إلى أن العلاقات بين هذه المدن كانت مبنية على المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، حيث كانت القوافل تمر بين نجــران وصنعاء عبر طرق التجارة الدولية التي تربط جنوب الجزيرة العربية ببلاد الشــام وبلاد الرافدين.
كذلك سادت مرحلة من التعاون الديني والسياسي بين نجــران وصنعاء، وخاصة في الفترات التي شهدت تدخلاً حبشياً أو فارسياً، حيث كانت نجران وصنعاء في بعض الأحيان على جبهة واحدة ضد النفوذ الخارجي، بينما كانت صعدة تحافظ على استقلاليتها القبلية.
3- صفحة من العلاقات في صدر الإسلام والعصر الإسلامي المبكر : مع ظهور الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية، دخلت نجران وصعدة وصنعاء مرحلة جديدة من العلاقات، تميزت بتغير البنية السياسية والدينية. فبعد دخول أهل صنعاء في الإسلام مبكراً، أصبحت المدينة مركزاً إدارياً مهماً للدولة الإسلامية الناشئة. أما نجــران فقد شهدت مفاوضات مهمة بين وفد النجرانيين والرسول ﷺ، ومن ثم عُقدت اتفاقيات نظمت علاقتها بالدولة الإسلامية.
أما صعدة، فقد أصبحت مركزاً لقبيلة همدان الشهيرة، ودخلت في الإسلام طواعية، وبذلك أصبحت العلاقات بين هذه المدن تؤطرها رؤية دينية جديدة تقوم على الانضواء تحت الدولة الإسلامية.وشهد العصر الإسلامي المبكر استقراراً نسبياً، ولكن ســـرعان ما بدأت الخلافات السياسية تظهر بين القبائل، ما أدى إلى نشوء تحالفات وصراعات محدودة أثرت في توازن القوى بين نجران وصعدة وصنعاء.
4- وقفة مع العلاقات في العصر الإسلامي الوسيط : ابتداءً من القرن الثالث الهجري، بدأت تظهر الدولة الزيدية في صعدة باعتبارها مركزاً دينياً وسياسياً مهماً، وسعت هذه الدولة الناشئة إلى توسيع نفوذها في المناطق المحيطة، بما في ذلك نجران وصنعاء. وكانت نجران في تلك الفترة منطقة غنية زراعياً ومهمة استراتيجياً، فدخلت في عدة معارك وصدامات مع القوى الزيدية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن هناك موجات متتابعة من الصراع بين الدولة الزيدية وأهل نجران، تارة بسبب الاختلافات السياسية، وتارة بسبب رغبة الدولة الزيدية في إخضاع الحواضر المجاورة لسلطتها. أما صنعاء، فقد تذبذب وضعها بين الخضوع للدولة الزيدية والاستقلال النسبي تحت حكم ولاة أو أسر محلية، ما جعل العلاقات بينها وبين نجران وصعدة تتأثر بالوضع السياسي المتقلب في المنطقة.
5- شذرات من الحروب والصراعات بين الدولة الزيدية وأهل نجران (من القرن الثالث إلى القرن الثاني عشر الهجري) : شهدت العلاقات بين نجران والدولة الزيدية سلسلة طويلة من الحروب المتقطعة التي امتدت لقرون . وكان أبرزها الحملات التي قادها الأئمة الزيديون لإخضاع نجران، والتي واجهها أهل نجـــران بمقاومة قوية وعمليات دفاعية منظمة. وفي القرن الخامس الهجري، شهدت المنطقة أولى الحملات الكبرى، حيث حاول الإمام الهادي السيطرة على نجران. ورغم نجاح بعض الحملات في فرض الجزية أو الإشراف الإداري، إلا أن أهل نجران كانوا يستعيدون استقلالهم بعد فترات قصيرة. أما في القرون اللاحقة، وخاصة بين القرنين التاسع والثاني عشر الهجري، فقد بلغت الصراعات ذروتها، وتبادلت الأطــراف السيطرة على المناطق الحدودية. وأدَّت هذه الحروب المتعاقبة إلى آثار اجتماعية واقتصادية كبيرة، تمثلت في تراجع حركة التجارة بين الحواضر الثلاث، وازدياد النزاعات القبلية، وتصدع بعض التحالفات القديمة.
6- لمحة من العلاقات في العهد العثماني الأول والثاني : مع دخول العثمانيين إلى اليمن في القرن العاشر الهجري، شهدت العلاقات بين نجران وصعدة وصنعاء تحولاً جديداً، إذ أصبحت صنعاء تحت إدارة عثمانية مباشرة، بينما كانت صعدة مركزاً للمقاومة الزيدية، في حين حافظت نجران على قدر من الاستقلال بحكم بعدها الجغرافي .وفرض الوجود العثماني واقعاً سياسياً جديداً، حيث حاولت الدولة العثمانية إضعاف نفوذ الأئمة الزيديين في صعدة، وهذا مما أدى إلى توترات متواصلة انعكست على نجران وصنعاء. كما شهدت هذه الفترة تراجعاً في الحروب المباشرة بين نجران وصعدة نتيجة تحولات السلطة الإقليمية، لكنها لم تمنع بعض المواجهات الناتجة عن النزاعات الحدودية.
7- نظرة في عهد الدولة السعودية والدولة الإمامية (آل حميد الدين) : دخلت العلاقات بين نجران وصعدة وصنعاء مرحلة جديدة في القرن الثالث عشر الهجري مع ظهور الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم لاحقاً توحيد المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل . كما كانت الدولة الإمامية في اليمن (آل حميد الدين) طرفاً مهماً في هذه العلاقات. وشهدت هذه المرحلة صدامات سياسية وحدودية، خصوصاً بين الدولة السعودية الحديثة والدولة الإمامية، وكان لنجران موقع محوري في هذه التحولات. وانتهت المرحلة بترسيم الحدود واستقرار الوضع السياسي، وذلك مما أدى إلى تقليص الصراعات التاريخية وعودة الروابط التجارية والاجتماعية إلى طبيعتها.
8- خاتمة : يتضح من خلال هذا العرض المختصر أن العلاقات بين نجران وصعدة وصنعاء مرت بمراحل معقدة من التعاون والصراع ، وأن هذه الصلات أسهمت في تشكيل تاريخ جنوب الجزيرة العربية عبر أكثر من ألفي عام. ولعل أبـــرز ما يميز هذه العلاقات هو تفاعل العوامل السياسية والدينية والاقتصادية في صياغة الأحداث، وتكرار موجات الصراع والاستقرار في فترات متعددة. وتمثل هذه المقالة المختصرةً خطوة أساسية لتأطير العلاقات التاريخية بين هذه الحواضر الثلاث ، وأرجو أن تكون من المجالات العلمية التي تُخدم من خلال دراسات علمية تفصيلية وتحليلية، بل إنها من الميادين التي مازالت جديرة بالعناية البحثية من أساتذة التاريخ والآثار، وآمل أن يتحقق ذلك تحت مظلة الجامعات السعودية واليمنية ومراكــز بحوثها العلمية المتخصصة .









التعليقات