تشهد بعض الشوارع في المدن والقُرى تجمعات لافتة للشباب تمتد من بعد صلاة المغرب حتى طلوع الفجر بشكل يومي، تتكدَّس السيارات على جَنَبَات الطرق والشوارع العامة، هذا المشهد المألوف ينطوي على مخاطر اجتماعية وأمنية وسلوكية لا ينبغي تجاهلها.
تلك التجمعات في الواقع تُوفِّر بيئة مناسبة لالتقاء فئات غير منضبطة سلوكياً، قد تكون سبباً مباشراً في نشوء احتكاكات ومشاجرات بين أفراد المجموعة الواحدة أو مع مجموعات أخرى، فضلاً عن تعريض المارَّة للمضايقات أو الاعتداء في بعض الحالات؛ تلك الحشود الليلية عندما تلتقي في أماكن عامة دون رقابة مُنظَّمة يفتح المجال أمام مروجي المخدرات لاستغلال صغار السن لترويج سمومهم، ناهيك عن إيذاء سكان الحي بالأصوات والهتافات والضجيج.
من المشاهد المؤلمة التي تتكرَّر كل صباح مباشرة عُمَّال البلدية تنظيف الشوارع من المخلفات المُهملة بعد السهر الليلي؛ يحدث هذا على الرغم من توفر سلال النفايات في أغلب المواقع، معظم الشباب لا يلتزمون بقواعد النظافة العامة، في دلالة واضحة على ضعف الثقافة البيئية، وقلة الشعور بالمسؤولية، وانعدام الحس الوطني؛ فالشارع ملك للجميع، والمحافظة على نظافته واجب وطني قبل أن يكون سلوكاً حضارياً.
في ذات السياق، لا تقف المشكلة عند الجانب البيئي والأمني وحده، بل تتجاوزها إلى آثار تربوية وصحية، فالسهر حتى ساعات الفجر الأولى يدفع بهؤلاء الناشئة للذهاب للمدارس أو الجامعات في حالة من الإرهاق والكسل وضعف التركيز، ما ينعكس سلباً على تحصيلهم العلمي ومستقبلهم الدراسي، بل حتى على أدائهم الوظيفي لمن كان منهم على رأس العمل. ولعل السؤال الذي يُطرح: لماذا نترك هؤلاء الشباب دون بدائل جاذبة ومفيدة؟.
في اعتقادي من أنسب الحلول المقترحة يكون من خلال: فتح المدارس وأندية الحي المجانية من بعد العصر حتى منتصف الليل، لاستيعاب طاقات الشباب، واستثمار أوقاتهم فيما ينفع في مناشط متنوعة تشمل (أنشطة رياضية – قاعات إنترنت بإشراف تربوي – دورات تدريبية في المهارات المهنية والحرفية والحياتية – برامج ثقافية وتوعوية – مساحات للحوار والتفاعل الإيجابي.
إنَّ استقطاب هؤلاء الناشئة ليس ترفًا اجتماعيًا، بل يُعد ضرورة أمنية وتربوية وتنموية، تسهم في الآتي: تقليل التجمعات العشوائية في الشوارع – الحد من السلوكيات السلبية – حماية الشباب من الانزلاق في مسارات خطرة – غرس قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي.
خاتمة القول: التجمعات الليلية في الشوارع ليست ظاهرة عابرة، بل مؤشر يحتاج إلى معالجة جذرية قائمة على الاحتواء دون الإقصاء، وعلى بناء البديل وليس الاكتفاء بالمنع، فالشباب هم ثروة الوطن، واستثمار أوقاتهم هو استثمار في أمنه واستقراره ومستقبله.


التعليقات