الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ الموافق ٧ شعبان ١٤٤٧ هـ

قرية بن حمسان بين التراث والأصالة – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

قرية بن حمسان بين التراث والأصالة – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

في كل بقاع العالم يبرز الاهتمام بالتراث بجميع جوانبه، بوصفه الوعاء الحافظ لتاريخ الشعوب، إذ إن مجد الأمم وتقدمها ينبعان من أصالتها وجذورها العميقة. وبلادنا الغالية ليست بمعزل عن هذا الاهتمام العالمي، بل تمثل نموذجاً حياً في صون موروثها الحضاري، حيث تزخر المملكة العربية السعودية بالقرى التراثية التي تعكس تاريخها العريق، وتبرز منطقة عسير على وجه الخصوص بما توليه من عناية كبيرة بهذا الموروث الأصيل الذي نستشعر فيه روح الماضي بكل تفاصيله وأحداثه.

وعند التجول في مدن ومحافظات المنطقة، يلفت الانتباه تلك القرى التراثية البديعة، سواء التي ما زالت محتفظة بهيئتها القديمة، أو التي خضعت لأعمال ترميم وإعادة تأهيل لما تهدم من أجزائها، وهي في الحالتين موضع إعجاب وتقدير لما تحمله من قيمة تاريخية وجمالية.

وخلال هذا الصيف، أُتيحت لي فرصة لزيارة قرية بن حمسان التراثية بمحافظة خميس مشيط، حيث لمست فيها أصالة التراث وعبق الماضي، ذلك الماضي الذي أهدانا موروثاً تاريخياً وفنياً عريقاً، جعلنا نعيش لحظاته وكأنها حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها وأحداثها… لم تكن تلك اللحظات عادية منذ وطأت قدماي عتبات القرية؛ فقد شعرت وكأنني أعبر بوابتها الصغيرة إلى زمن آخر، زمن فتح أمامي آفاقاً واسعة من الذكريات التي أراد الأجداد إيصالها إلينا عبر هذا الإرث الحضاري، ليغرس في نفوسنا الثبات في هذه الأرض، ويحثنا على مواصلة المسيرة الخالدة، شاهدين على قدرتنا على أن نكون جزءاً من هذا التراث الإنساني العريق.

وخلال زياراتي لهذه القرية التقيت بعدد من الأصدقاء في لقاءات مسائية متكررة، كانت تضفي على الحاضرين شعوراً عميقاً بالاعتزاز بالماضي والحنين إليه، في مكان اتسم بالتميز والإبداع، وهو ما تجلى في تصميم القرية وبنائها، لتكون رسالة واضحة للأجيال القادمة مفادها أن الحاضر لم يكن ليكون حاضراً لولا التاريخ العريق الذي سطره الأجداد بجهودهم وسواعدهم.. والجلوس بين جنبات القرية، وسط أضوائها الجميلة الموزعة بعناية وتناسق، جعل من اللقاء مع الأصدقاء تجربة روحية وتواصلاً عاطفياً لا ينفصلان، ولا يمحوهما الزمن، بل يزدادان رسوخًا ما دام الإنسان عاشقاً لهذا التراث بجماله وتفاصيله.

وقد استوقف الأصدقاء كل ما تحويه القرية من تفاصيل، بدءاً من النقوش العسيرية الأصيلة، بألوانها الزاهية التي ترسم في الذاكرة أجمل اللوحات الفنية، وتعيد إلى الأذهان ملامح الزمن الماضي بكل ألوانه وتفاصيله، مروراً بالمباني الحجرية التي تحاكي بناء الأجداد، وما بذل من جهد كبير في تشييدها بروعة تصميمها ودقة تنفيذها، في عمل احترافي يعكس فكراًٍ عميقاً وأيدي محبة للبناء والإبداع في كل زاوية من زوايا المكان.

ومع القهوة العربية بمكوناتها الأصيلة، والشاي المعطر بنكهة النعناع، اكتملت ملامح الأجواء التي يتوق إليها كل صديق مع أصدقائه؛ ففي مذاق القهوة ورائحتها الفواحة، يجد الإنسان نفسه في لحظات ساحرة بين جنبات التراث، ومع صليل فناجين القهوة تترسخ في الذاكرة حقيقة أن التراث وحدة متكاملة يرتبط فيها الزمان بالمكان.. أما كاسات الشاي ورائحة النعناع التي تفوح بين الأروقة التراثية، فلم تكن أقل أثراً مما أوحت به نكهة القهوة العربية، بما حملته من معاني الود والألفة في جلسة امتزج فيها الحديث بالمشاعر الصادقة.

ولم تكن القهوة والشاي وحدهما ما صنع جمال تلك اللحظات، بل كانت الأشجار التي تحيط بالمكان وكأنها تروي قصصاً جميلة، وقد طوقتنا من كل جانب، كأنها تصغي لأطراف حديثنا وتأنس بحروفه، وبألوانها الخضراء وروائحها الجذابة، منحتنا إحساساً بالسكينة، ولامست وجوهنا مع كل نسمة هواء ناعمة، وكأنها تقول لنا: أنا معكم في لحظاتكم الجميلة.. أكون في قلوبكم قبل أن أكون في عيونكم.

ومضى الوقت سريعاً، وكأنه دقائق معدودة، لا لحلاوة اللقاء فحسب، بل لجمال المكان وروعة الناس الذين شاركونا الشعور ذاته، وربما بعمق أكبر. وحين جاء وقت العشاء، وجدنا أنفسنا أمام تاريخ ممتد منذ عصر الأجداد، حيث قدمت أطباق من المأكولات الشعبية الأصيلة، تفوح منها حرارة المكان ودفء اللقاء، وتملأ الأجواء بأحاسيس تعكس عمق الأخوة الصادقة التي اجتمعنا لأجلها. وكانت تلك الأكلات الشعبية لا تقل روعة ولا قيمة عن أشهر الأطباق العالمية التي يميل إليها الناس في وقتنا الحاضر.

ثم جاء وقت الوداع، بعد أن عشت مع أصدقائي أجمل اللحظات، وشاركوني الشعور ذاته. لقد كانت ليالي قرية بن حمسان من أجمل الليالي التي قضيتها في منطقة عسير، إن لم تكن الأجمل على الإطلاق، بما حملته من تاريخ وود جمع الأصدقاء على إيقاع الماضي، وخلده في صورة يتمناها كل شخص في حياته.. ودعنا المكان بقلوبنا ونظراتنا، لكننا أبقينا حبه حياً في داخلنا، ليكون دعوة صادقة لكل من يرغب في معايشة الماضي بكل صوره وأشكاله، بعيداً عن مظاهر الرفاهية والترف.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لصاحب هذه الفكرة وصاحب هذا الإنجاز، الشيخ ظافر بن حمسان الشهري، الذي أسس هذه المنظومة التراثية بما تحويه من فن وإبداع، لتكون سجلاً حياً يحاكي إنجازات الأجداد، لنراها اليوم ماثلة في جنبات هذه القرية المتناسقة التي أبهرت زوارها بكل تفاصيلها، وقدمت نموذجاً يحتذى به لكل من يسعى إلى الحفاظ على تراث أصبح مع تسارع وتيرة التطور مهدداً بالنسيان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *