في زمنٍ قاسٍ عُرف (بالسنين العجاف) كان والدي يرافق ابن عمه في رحلة حياة شاقة لا يعرفان فيها الاستقرار ولا الأمان تقاسما الخوف والجوع والسفر وكان كل واحد منهما سندًا للآخر يحميه ويقدّم له ما يستطيع دون حساب فصنعت الشدة بينهما أخوة راسخة لا تهزها الأيام.
ومع تعاقب السنين أدركا أن النجاة لا تكون بالترحال الدائم بل ببناء ملاذ يحميهما ومن يلتحق بهما فاختارا كلاً منهما موقعاً وبدآ في تشييد قصورها التي لم تكون مجرد حجارة وأسوار بل عهدًا بالأمان وميثاقًا للتكافل ومن دخلهما عاش في أمن ورغد عيش تحميه العدالة قبل الجدران..
عامًا بعد عام تطورت القصور وازداد عدد السكان وتنوعت المناشط فظهرت الأسواق والمجالس وساحات العمل والحياة وعمّ الاستقرار بعد زمن الخوف وأصبحت التجربة نموذجًا يُحتذى في البناء والتكاتف.
ثم جاء اليوم الذي رحل فيه الوالد وابن عمه بعد أن أدّيا الأمانة وخلّفونا من بعدهما وورثنا القصور واستقل كل منا قصره وبدأنا بإدارتها وتسيير شؤونها وكان المنتظر أن يستمر النهج كما أرساه الآباء غير أن النفوس ليست سواء.
دبت الغيرة إلى قلب أحد أبناء العم حين رأى قصري يزدهر ويزداد تماسكًا وتنوعًا في مناشطه فبدل أن يجعل ذلك دافعًا للتطوير اختار طريق الحسد فبدأت المكيدة في الخفاء همسًا ثم فعلًا ولم يتردد في الاستعانة بالأعداء الذين طالما حذر منهم الآباء فاستعان بهم لتوجيه الطعنات المسمومة إلى ظهري ظنًا أن إضعافي سيقويه وأن هدم النجاح سيمنحه التفوق.
أما أنا فثبتُ على نهج آلاباء لم اخن ولم ابادل ابن عمي الغدر بل بقيت مخلصًا داعمًا له على مر الزمن مؤمنًا أن القصور لا تُحمى بالمكر وأن الاستقواء بالعدو بداية الانهيار لا طريقاً للمجد.
ومع مرور الوقت تكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة فلم يكن أول ما تصدع قصري بل قصر صاحب الغيرة نفسه فالأعداء لا يعرفون وفاءً ولا يحفظون عهدًا واصبح سكان قصره يشعروا بالقلق ووهنت الثقة وتراجعت المناشط التي كانت مصدر فخر واستقرار.
أما قصري فازداد صلابة لأن أساسه لم يكن حجرًا فقط بل ديناً حنيفاً وقيمًا ورجالًا وسكانًا متماسكين تعلموا من الآباء أن الخطر الأكبر لا يأتي دائماً من العدو فحسب بل قد يولد في المحيط إذا دبت الغيرة في القلوب بلا وازع.
وهكذا أدرك الناس أن ما يجمعه الإخلاص تهدمه الغيرة المريضة بالحسد وأن ميراث الآباء إن لم يُصن بالأخلاق والإخلاص ضاع مهما عظم وأن من يستقوي بالعدو على القريب يخسر الاثنين معًا.
فالقصور قد تُبنى بالحجارة
لكن البيوت الآمنة والأوطان
تُبنى بالوفاء …


التعليقات
2 تعليقات على "أنا وابن عمي – بقلم اللواء محمد حسن آل شفلوت العمري"
محمد عوض اليوسي /
.
رحم الله اباك وعمك وكأنني بك يا ابا حسن تقول لأبناء عمك أنتهى ..( انتهى)
متمثلا قول الشاعر الجاهلي المثقب العبدي في قصيدته (أفاطم قبل بينِك):
إِلى عَمرٍو وَمِن عَمرٍو أَتَتني
أَخى النَجداتِ وَالحِلمِ الرَصينِ
فَإِمّا أَن تَكونَ أَخي بِحَقٍّ
فَأَعرِفَ مِنكَ غَثّي مِن سَميني
وَإِلّا فَاِطَّرِحني وَاِتَّخِذني
عَدُوّاً أَتَّقيكَ وَتَتَّقيني
وَما أَدري إِذا يَمَّمتُ وَجهاً
أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني
أَأَلخَيرُ الَّذي أَنا أَبتَغيهِ
أَمِ الشَرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغيني
دَعى ماذا عَلِمتُ سَأَتَّقيهِ
وَلَكِن بِالمَغيبِ نَبِّئيني .
إِلى عَمرٍو وَمِن عَمرٍو أَتَتني
أَخى النَجداتِ وَالحِلمِ الرَصينِ
*فَإِمّا أَن تَكونَ أَخي بِحَقٍّ*
*فَأَعرِفَ مِنكَ غَثّي مِن سَميني*
*وَإِلّا فَاِطَّرِحني وَاِتَّخِذني
عَدُوّاً أَتَّقيكَ وَتَتَّقيني*
وَما أَدري إِذا يَمَّمتُ وَجهاً
أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني
أَأَلخَيرُ الَّذي أَنا أَبتَغيهِ
أَمِ الشَرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغيني
دَعى ماذا عَلِمتُ سَأَتَّقيهِ
وَلَكِن بِالمَغيبِ نَبِّئيني
وكل يوم يمر تتكشف لنا عظم العداوة والجرائم وما فعل أبناء عمك ومرتزقته .
طالع بن سياف /
.
انت علم من الإعلام ابا حسن سعادة اللواء وقدوة يقتدى بها ، وفقك الله ورعاك .