الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ الموافق ٣٠ رجب ١٤٤٧ هـ

الاختيار الواعي أساس النجاح في تكوين الأسرة! – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

الاختيار الواعي أساس النجاح في تكوين الأسرة! – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

في المقال السابق أشرنا إلى أن تصاعد معدلات الطلاق لم يعد ظاهرة عابرة، بل مؤشر واضح على أزمة وعي أسري عميقة، تتداخل فيها عوامل متعددة، يأتي في مقدمتها سوء الاختيار بين الزوجين وغياب التوافق الحقيقي، إضافة إلى تدخلات الأهل غير المنضبطة، وافتقاد التأهيل المسبق للحياة الزوجية، والمبالغة في المتطلبات المادية، فضلاً عن إخفاء بعض الحقائق الجوهرية وعدم الإفصاح المتبادل، وغياب التوافق الديني والقيمي، ومايصاحبه أحياناً من تخبيب وإفساد يُغلًّف بدوافع ظاهرها الخير وباطنها الحسد أو المصلحة.

الاختيار الواعي إذن هو حجر الأساس لأي زواج ناجح، بينما العشوائية في بناء الأسرة لم تعد مقبولة في زمن تتعقد فيه العلاقات وتتزايد فيه التحديات. وانطلاقاً من ذلك، فإن نجاح الزواج مستقبلاً ينبغي أن يكون قائماً على توافق عملي ومنهجي، لا على اجتهادات فردية أو قرارات ارتجالية.

من هنا تبرز الحاجة إلى إطار منظم، بحيث لا يُقدم الخاطب على الزواج إلا بعد استيفاء جملة من المتطلبات، من أبرزها: إثبات الملاءة المالية، وإجراء الفحص الطبي قبل الزواج، والالتحاق بدورة تأهيلية إلزامية تمتد لمدة أسبوعين على الأقل، تتناول الحقوق والواجبات الزوجية، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، وتنتهي بشهادة معتمدة في التوعية الأسرية.

ويُقترح أيضاً إلزام الطرفين بتعبئة استمارة شاملة تتضمن البيانات الشخصية، والسمات النفسية، والسيرة الذاتية كاملة، تُدوَّن تلك البيانات بمصداقية تامة وتخضع لمراجعة لجنة مختصة. ثم تُدرج هذه المعلومات ضمن تطبيق وطني للزواج تُشرف عليه وزارة الموارد البشرية، ليكون بمثابة قاعدة بيانات منظمة تحفظ الحقوق وتقلل من احتمالات الغش أو الإخفاء.

وفي هذا الإطار، يخضع الطرفان للإجراءات نفسها لتحقيق العدالة والشفافية، بما في ذلك الفحص الطبي، والدورة التأهيلية، وإحضار شهادة خلو سوابق من الجهات المختصة مثل «ناجز» و«أبشر»، والتأكد من عدم وجود قضايا جنائية أو ديون مؤثرة أو سجلات سابقة تمس النزاهة والسيرة العامة. وتُعرض هذه البيانات بشفافية للطرف الآخر عبر الجهة الرسمية، دون تدخل شخصي أو وساطات.

في السياق ذاته، يحق لكل طرف الاطلاع على السجل الاجتماعي للطرف الآخر، من حيث الحالة السابقة: أعزب، مطلق، أرمل، وعدد مرات الزواج، وأسباب الانفصال إن وجدت، وذلك بوصفها مؤشرات تساعد على تكوين صورة واقعية، لا للحكم أو الإدانة، بل للفهم واتخاذ القرار عن وعي وبصيرة.

إنَّ مثل هذا التنظيم لا ينتقص من قدسية الزواج، بل يحميه، ولا يقيد الحرية، بل يُوجِّهها، ويجعل العلاقة الزوجية قائمة على الوضوح والصدق، ويمنح الطرفين فرصة حقيقية لبناء أسرة مستقرة، قائمة على المعرفة لا المفاجآت، وعلى التوافق لا المجازفة.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *