الأربعاء ٧ يناير ٢٠٢٦ الموافق ١٩ رجب ١٤٤٧ هـ

شجاعة رجل أمن الحرم ستبقى ذكرى خالده – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

شجاعة رجل أمن الحرم ستبقى ذكرى خالده – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

أثارت حادثة سقوط أحد المعتمرين من الدور الثالث في الحرم المكي الشريف قبل أيام اهتمام الرأي العام، وفتحت باب التساؤل حول ملابسات ما جرى، وكيف تحوَّل المشهد في لحظة حرجة من مأساة مُحقَّقة إلى موقف إنساني بطولي، بفضل تدخُّل رجل أمن لم يتردَّد في المجازفة بنفسه لإنقاذ غيره.

بادر رجل الأمن ريان سعيد العسيري، أحد منسوبي قوات أمن الحرم، إلى التصدي لمنع سقوط المعتمر على الأرض، تعرَّض أثناء عملية الإنقاذ لإصابات جسدية استدعت نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج؛ لم يكن ذلك التصرف مجرَّد أداء للواجب الوظيفي، بل تجاوز ذلك إلى مستوى نادر من الإيثار، حين قدَّم سلامة إنسان آخر على سلامته الشخصية، دون أن يكترث بما يترتَّب على تلك المجازفة من أذى أو إصابة قد تحدث.

هذا المشهد الإنساني العميق لقي صدى واسعاً لدى الرأي العام، الذين عبَّروا عن إعجابهم ودعواتهم الصادقة لرجل الأمن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين ما قام به مثالاً حياً على القيم التي يتحلَّى بها رجال الأمن في عملهم لخدمة الزائرين للحرمين الشريفين، فهم يؤدون واجبهم بإتقان ومسؤولية دون أن تغيب عنهم إنسانية الموقف.

في ذات السياق، أعادت الحادثة إلى الواجهة مفهوماً خاطئاً لدى بعض الحجاج والمعتمرين، يتمثَّل في اعتقادهم أن الموت في الحرم المكي الشريف، حتى لو كان بإزهاق النفس له فضل ومزيَّة خاصة؛ هذا الفهم يجانبه الصواب، ويتعارض مع نصوص الشريعة، فقد حرَّم الله تعالى قتل النفس تحريماً قاطعاً في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء 29.

أما الحرم المكي الشريف، فقد جعله الله حرماً آمناً، قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ العنكبوت 67؛ هذا الأمن يتجسَّد واقعاً في الجهود العظيمة التي تبذلها المملكة العربية السعودية، عبر منظومة أمنية متكاملة، وحس أمني مرتفع لدى كل من يعمل في خدمة ضيوف الرحمن، سواءً كان جندياً أو مسؤولاً مدنياً.

لقد جسَّد موقف رجل الأمن ريان العسيري معنى الشرف المهني والإنساني، ورسَّخ صورة رجل الأمن الذي لا يحرس المكان فحسب، بل يحرس الأرواح أيضاً. هذا الموقف وذلك المشهد كان محل تقدير وثناء من المسؤولين الذين بادروا بالاتصال للاطمئنان على سلامته، كما حظي الموقف بإشادة كبيرة، مع دعوات المسلمين له بالشفاء والعافية، وتمنياتهم بعودته سالماً إلى ميدان العطاء؛ كل ما سبق يعكس تقدير المجتمع لمثل هذه النماذج المُشرِّفة، التي تخدم دينها ومليكها ووطنها بصمت، وتكتب مواقفها بأفعال لا تُنسى.

ختاماً: هذا الموقف البطولي من رجل الأمن يحمل رسالة صريحة لكل من يحاول النيل من جهود المملكة في خدمة قاصدي بيت الله الحرام، ويُجسِّد حقيقة ما يقوم به رجال الأمن من عطاء وانسانية لخدمة ضيوف الرحمن، ويؤكِّد أيضاً أن هذا النموذج يتكرَّر باستمرار في ساحات الحرم ابتغاء الأجر من الله وإن لم يتم رصد الحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *