أولا:- مقدمة: تعَدّ الرسائل والمراسلات العلمية بين الباحثين والأكاديميين إحدى الشواهد الحيّة على حضورهم الفكري ومكانتهم العلمية داخل المجتمع الجامعي والثقافي. وليس الخطابُ المكتوب مجرد تواصل رسمي، بل هو سجلٌّ يوثّق الحركة العلمية، ويرصد أثر العالِم في محيطه، ويكشف عن مستوى التقدير الذي يحظى به بين المؤسسات والأفراد.
وفي هذا الإطار، نجد الرسائل المرسلة والواردة إلى الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس – المؤرّخ المعروف – وصاحب المؤلفات الكبرى في تاريخ الجنوب، وعميد مدرسة البحث التاريخي في تهامة والسراة، لتشكّل مادة توثيقية مهمّة يمكن من خلالها قراءة أثره العلمي الممتد لأكثر من أربعة عقود.
فبين رسائل تقدير، وشهادات عرفان، ودعوات رسمية للمؤتمرات والفعاليات العلمية، ومناقشات علمية ، وتبادل مدونات ورسائل مع ادارات ومؤسسات رسمية وأهلية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وخطابات ثناء من زملاء وتلاميذ وإدارات، فجميعها تكون لوحة غنية تعكس قيمة العطاء العلمي الذي حمله الدكتور غيثان بن جريس، وآثاره التي تجاوزت حدود المنطقة إلى مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية ، ثم إلى خارجها.ونجد الاف الوثائق المطبوعة والمنشورة، وجميعها لها صلة مباشرة بالدكتور غيثان ، ومن المؤلفات التي صدرت في هذا الباب:
(1) وثائق غيثان بن جريس الخاصة ، للأستاذ والباحث محمد أحمد مُعْبّر ( 11 ) مجلد
(2) غيثان بن جريس في رسائل معاصريه، للدكتور غيثان بن جريس ( خمسة مجلدات)
وضمن ملاحق مؤلفات غيثان الكثيرة عشرات الرسائل والخطابات المتبادلة مع الدكتور غيثان، ومؤخراً اطلعت على بعض الوثائق والخطابات المرسلة للدكتور غيثان بن جريس ، ولهذا رأيت تسجيل بعض مرئياتي عن الدكتور غيثان وهذا النوع من المصادر الحديثة والمعاصرة. وفي هذه المقالة أكتب مدونة توثيقية لهذه الرسائل والمراسلات، باعتبارها جزءًا من السيرة العلمية للدكتور غيثان، وسجلّا دالًا على مكانته الريادية في كتابة التاريخ وإحياء تراث الجنوب السعودي ( تهامة وسراة ).
ثانيا:- الرسائل العلمية بوصفها وثائق تاريخية: ان الرسائل والخطابات العلمية ليست مجرّد تواصل شخصي، بل هي جزء من المشروع العلمي للباحث؛ إذ تضيء جوانب من مسيرته، فهي توثّق علاقة العالم بمؤسسات العلم ( جامعات، ومراكز بحوث علم وثقافية، وإدارات رسمية وخاصة ، والكليات، والمكتبات والصحف، والمجلات وغيرها ) .
وتعكس مدى التأثير الفكري عبر شهادات تقدير أو إشادة بمؤلفات وموسوعات ومحاضرات ونشاطات معرفية وثقافية متنوعة . وتكشف اهتمام الباحثين وطلاب الدراسات العليا بأعمال من يتم مخاطبته والتراسل معه . وتؤكّد ايضا دور الشخص المعني في الخطابات والرسائل في صناعة المعرفة التاريخية داخل بلاده وخارجها. وبالنظر في الرسائل التي اطلعت عليه حديثا و المتبادلة مع الدكتور غيثان بن جريس ، فإنّني أجد أغلبها يدور حول محورين هما :
(1) تقدير شخصي لجهوده العلمية.
(2) دعوات رسمية للمشاركة في مناسبات وندوات وفعاليات وطنية بارزة.
(*) وسوف أقصر حديثي في الفقرات التالية على نماذج مما رايته من خطابات ورسائل في الشهور القليلة الماضية.
1- خطاب من الدكتور شايع بن عبده الأسمري ( أستاذٌ الدراسات العليا القرآنية في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد )، فهو شهادة عالمٍ لعالِم . ويمثّل خطاب الدكتور شايع الأسمري الى الدكتور ابن جريس أحد النصوص الجيدة جدا التي تجمع بين اللغة الأدبية الرفيعة والشهادة العلمية الصادقة. فالرسالة الموجّهة إلى الدكتور غيثان تكشف عمق العلاقة العلمية بينهما، وتسلّط الضوء على أثر الدكتور غيثان في المشهد الأكاديمي.
وفي الرسالة إشادة واضحة بما يقدّمه الدكتور غيثان من عطاء علمي مستمر ، وخدمة لتاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية ( تهامة وسراة ) ، وإبرازه في مصادر موثقة ، وقدرته على الجمع بين الدقة التاريخية والعمق التحليلي ، وعنايته بالتعليم الجامعي وتخريج أجيال من الباحثين. وتُعدّ هذه الرسالة وثيقة مهمّة؛ لأنها صادرة من أحد أعلام الدراسات الشرعية واللغوية في المملكة العربية السعودية ، ولأنها تعبّر عن رؤية علمية من داخل المؤسسة الأكاديمية.
2- الدعوات الرسمية للمشاركة في الفعاليات والندوات . فقد رأيت من بين الوثائق المهمة الواردة إلى الدكتور غيثان، تلك المتعلقة بـ دعوات رسمية من جهات عليا، على رأسها: دارة الملك عبدالعزيز ، ومثّلت الدعوة التي تلقّاها الدكتور غيثان لحضور إحدى الندوات العلمية التي ترعاها دارة الملك عبدالعزيز اعترافًا رسميًا بمكانته العلمية.
فالدارة لا توجه الدعوات إلا لرموز بحثية معروفة، ولها حضور وتأثير في مجال التوثيق والتاريخ الوطني. وتُبرز هذه الوثيقة في ثقة المؤسسات الوطنية في منجز الدكتور غيثان بن جريس. ومكانته كأحد أبرز المؤرخين المختصين في تاريخ الجزيرة العربية، ولا سيما تهامة والسراة. وأهميته كشاهد حي على حركة التأليف التاريخي الحديث والمعاصر.
3- رسائل التقدير من الباحثين والقرّاء ، وتضم المراسلات التي اطلعت عليها عددًا من الرسائل التي يوجّهها أساتذة وباحثون وقرّاء من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية الى الدكتور غيثان ، وجميعها تشترك في ثلاثة محاور أساسية:
أ – الإعجاب بالمشروع العلمي الضخم الذي انجزه الدكتور غيثان بن جريس خلال العقود الثلاثة الماضية ( موسوعة القول المكتوب في تاريخ الجنوب ) ( 32 مجلدا ) والتي أصبحت مرجعًا رئيسًا للباحثين.
ب – الإشادة بقدرة الدكتور غيثان على الجمع بين الرواية الشفوية والوثيقة المكتوبة، وهي ميزة قلّ أن يجمعها مؤرخ واحد.
ج – التركيز على جهوده ومنجزاته العلمية والبحثية في خدمة تاريخ الجنوب السعودي ( تهامة وسراة )، غير منجزات أخرى في مجالات تاريخية وحضارية متعددة، وقد اصبحت أعمال الدكتور غيثان رئيسية ومهمة جدا للباحثات والباحثين في هذا المجال.
4- التكريمات العلمية وأثرها في السيرة الأكاديمية. تحمل بعض الرسائل التي قرأتها طابعًا تكريميًا، سواء كان تكريمًا مباشرًا، أو إشادةً تُعدّ في معناها تكريمًا. وهذه الرسائل تؤكّد ثلاث حقائق مهمّة :
أ – مكانة الدكتور غيثان بن جريس بوصفه رائدًا من روّاد التاريخ السعودي الحديث والمعاصر.
ب – دوره العميق في بناء مدرسة بحثية جنوبية سعودية مستقلة.
ج – مساهمته في تعزيز الهوية الوطنية التاريخية من خلال التأليف والتوثيق.
وهذه التكريمات ليست مجرد شهادات معنوية، بل هي جزء من السيرة الأكاديمية التي تُقرأ بها شخصية الباحث وتأثيره.
5 – المراسلات بوصفها مرجعًا في كتابة السيرة الذاتية العلمية .فالرسائل المنشورة ورقيا أو المخزّنة في موقع الدكتور غيثان بن جريس الرسمي، أو قناته على التليقرام، أو مستودعات ومنصات رقمية أخرى مادة علمية مهمة يمكن أن يعتمد عليها أي باحث يرغب في كتابة سيرة علمية للمؤرخ غيثان بن جريس. فهي تكشف عن شبكة علاقاته الأكاديمية، وحجم تأثير مؤلفاته، ورؤيته العلمية ومنهجه، والحضور الوطني لأعماله في الصحافة والمحاضرات والندوات واللقاءات، ودوره في خدمة المعرفة في تاريخ وحضارة الجزيرة العربية عبر العصور التاريخية، كما تُظهر الرسائل تقدير المتخصصين والمؤسسات لعلمه وعطائه.
6 – قراءة تحليلية في مضامين المراسلات، ويمكن تصنيف مضمون الرسائل الخاصة بالدكتور غيثان بن جريس ضمن أربعة مسارات :
أ – التأثير العلمي والإشادة بمنهجه، ومؤلفاته، ودوره في إحياء تاريخ وحضارة الجنوب ( تهامة وسراة ) عبر العصور التاريخية .
ب – مسار العلاقات الأكاديمي مثل التقارير والرسائل المتداولة بينه وبين أعضاء هيئة التدريس وغيرهم في الإدارات والوزارات والجامعات السعودية والعربية وغيرها .
ج – التكريم والاحترام العلمي ، كرسائل شكر وثناء، وتأتي غالبًا إثر إصدار كتاب جديد، أو تقديم محاضرة، أو ورقة علمية، وغير ذلك من الأنشطة العلمية والثقافية والبحثية.
د – والمسار الأخير، الدعوات الرسمية والوطنية مثل دعوات دارة الملك عبدالعزيز، والمؤتمرات والندوات واللقاءات والجهات الثقافية العلمية، والصحف، والجمعيات العلمية وغيرها.
7 – المراسلات كوثيقة للذاكرة التاريخية في الجنوب السعودي الحديث والمعاصر، والرسائل ليست فردية فحسب؛ بل تحمل دلالات تتصل بتاريخ المنطقة نفسها والمملكة العربية السعودية، فهي تُظهر تفاعل المجتمع العلمي مع مشروع توثيق تاريخ الجنوب ( تهامة وسراة) ، وتكشف وعي المؤسسات بأهمية التاريخ المحلي ،وتؤكد تقدّم الدراسات الجهوية في المملكة العربية السعودية بفضل جهود علماء مثل الدكتور غيثان بن جريس، ولهذا فإن جمع هذه الوثائق وأرشفتها جزء من المسؤولية المعرفية تجاه تاريخ الوطن.
8 – أثر مثل هذه المراسلات في تشكيل الخطاب التاريخي السعودي، وتدلّ الرسائل والخطابات الخاصة على أن مشروع الدكتور غيثان بن جريس ساهم في توسيع دائرة الاهتمام بتاريخ المناطق الجنوبية ( سروات وتهامة )، وقدّم منهجًا جديدًا يجمع الوثيقة والرواية والأثر، وأسّس مكتبة معرفية ضخمة ستبقى مرجعًا للأجيال القادمة ، وجسّد نمط المؤرخ الجاد الذي يعمل داخل الحقل وخارجه، ويبحث، ويدوّن، ويشارك في المؤتمرات والندوات داخل البلاد وخارجها، ويفتح أبواب العلم للطلاب والباحثين والمؤرخات والمؤرخين.
9 – دلالات المراسلات على شخصية الدكتور غيثان بن علي بن جريس العلمية ،فهي تكشف الرسائل كثيرًا من ملامح شخصيته، ومن أبرزها التواضع العلمي ، والجدية والانضباط، واحترامه للبحث الأكاديمي ، وأخلاق التواصل وبناء العلاقات مع طلابه وزملائه من أساتذة الجامعة والباحثين داخل المملكة وخارجها، وقدرته على الجمع بين الحضور الاجتماعي والعطاء العلمي، وهذه الصفات جعلت منه شخصية يحترمها الجميع، ويكتبون إليها ويهنئونها ويشيدون بها. وتشكل الرسائل والمراسلات الواردة إلى الأستاذ الدكتور غيثان سجلًا معرفيًا واجتماعيًا يعكس قيمة مشروعه العلمي، وحضوره الثقافي، وتأثيره في أجيال الباحثين.
ثالثا : خاتمة .. إنّ جمع هذه الرسائل ونشرها يُعدّ خطوة مهمّة في توثيق سيرة أحد أشهر المؤرخين السعوديين في العصر الحديث والمعاصر، حيث يلتقي فيها التاريخ بالإنسان، والعطاء بالعرفان. وبالنظر إلى تنوّع مصادر هذه الرسائل، من أساتذة أكاديميين، ومؤسسات وطنية، وطلاب، وباحثين، فإنها تعبّر عن تقدير جيد لمكانة الدكتور غيثان بن جريس، وعن امتداد أثره إلى مساحاتٍ تتجاوز حدود الجامعة والكتاب، لتمتد إلى الوجدان الثقافي للمجتمع السعودي.
والحقيقة فإن نشر مثل هذه المقالة في الصحافة الورقية والرقمية، وعلى المنصات العلمية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، سيُسهِم في إبراز جانب مهم من تاريخ العلم في البلاد، ويضع بين يدي الباحثين مادة توثيقية أصيلة تحفظ للأجيال سيرة باحث أفنى عمره في خدمة المعرفة.












التعليقات