الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ الموافق ٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ

النائحة المستعارة – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري

النائحة المستعارة – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري
هناك صنف من الرجال إذا حضر في المجالس صمت صمت الجبناء بل صمت الأموات، لا يهش ولا ينش، يجلس في المجلس كالغريب، لا رأي له ولا حجة ولا منطق، إذا تحدث الرجال تلعثم، وإذا احتدم النقاش انكمش، وإذا طلب منه كلمة حق في موقف يحتاج للرجولة غاب صوته، لا يستطيع أن يجاري النشامى في قول ولا فعل، ولا يملك الشجاعة أن يرد أو يواجه أو يدافع عن حق، فهو في حضور الرجال صفر على الشمال.
 
فإذا انفض المجلس وخرج الرجال، بدأ هذا الضعيف المريض مهمته الحقيقية التي يجيدها، وهي نقل الكلام وتشويه الصورة، فيذهب من مجلس إلى مجلس ويتصل بهذا وبذاك ينقل ما قيل ويزيد عليه من خياله المريض، يحاول أن يشوه صورة النشامى الذين وقفوا موقف البطولة والشجاعة يدافعون عن حقوقهم وحقوق آبائهم وأجدادهم، الذين قالوا كلمة الحق بالصوت العالي في وجه من يريد هضم الحقوق أو سرقتها، فهو لا يجرؤ أن يقولها أمامهم، لكنه يتجرأ عليهم في غيابهم.
 
وهذا الصنف هو ما ينطبق عليه المثل الشعبي القديم “النائحة المستعارة”، وهي المرأة التي كانت تستأجر قديماً لتقوم بالنواح والبكاء على ميت ليس من أهلها، فبكاؤها مصطنع ودموعها كاذبة وصوتها عالٍ بلا حزن حقيقي، كذلك هذا الرجل المستعار في رجولته، صياحه بعد المجلس ليس غيرة ولا حمية، بل هو استئجار مجاني لنفسه ليظهر بمظهر الحريص وهو أبعد ما يكون عن الحرص.
 
إن المجالس هي ميادين الرجال، والرجل يعرف بمنطقه وحجته ووقوفه مع الحق بصوته الاقوى، لا بصمته المريب ثم طعنه من الخلف، فمن لا يستطيع أن يرد أمام الرجال لا يحق له أن يتحدث خلفهم، ومن لا يملك الشجاعة ليقول رأيه في المجلس فليحفظ لسانه خارج المجلس، فالرجولة مواقف وليست ثرثرة في الغياب، ومن يظن أن تشويه صورة النشامى سيرفع من قدره فهو واهم.
 
فالنشامى الذين يدافعون عن حقوقهم وحقوق آبائهم وأجدادهم معروفون بتاريخهم وبمواقفهم المشرفة، لا يضرهم كلام نائحة مستعارة، فتاريخهم يشهد لهم ومجالسهم تشهد لهم، وأفعالهم تسبق أقوالهم، أما الخانع فتاريخه هو الصمت والعجز، لا يذكر في موقف شرف ولا يستشار في أمر جلل، بل يعرف بأنه ناقل كلام ومشوه صور، يقتات على الفتنة ويعيش على الإفساد بين الناس.
 
ومن المؤسف أن هذا النوع لا يدرك أنه مكشوف أمام الجميع ومعروف، فالرجال يعرفون من يتكلم في حضورهم ومن يتكلم في غيابهم، ويعرفون من يواجه ومن يهرب، ولذلك فإن مكانته لا تزيد عن مكانة النائحة المستعارة التي ينتهي دورها بانتهاء المأتم، فإذا انتهى العزاء لم يعد لها قيمة ولا ذكر، كذلك هو ينتهي بانتهاء نقله للكلام، فلا يحترم ولا يقدر، بل يحتقر وينبذ.
 
إن الدفاع عن حقوق الآباء والأجداد شرف لا يناله إلا الرجال الذين تربوا على العزة والكرامة، الذين لا يساومون على حقوقهم ولا يسمحون لأحد أن ينتقص منها، أما من لم يرث من أبيه وجده إلا الصمت والخنوع فلا يحق له أن يتطاول على من هم أشرف منه، فالسكوت في مواطن الحق مذلة، والطعن في ظهور الرجال خسة، والجمع بين المذلة والخسة لا يجتمع إلا في النائحة المستعارة.
 
ولذلك نقول لكل نائحة مستعارة، وفر دموعك الكاذبة ونواحك المصطنع، فالمجالس تعرف رجالها، والحقوق يحميها رجالها، وأنت لست من هؤلاء ولا من هؤلاء، فالزم صمت الأموات الذي تعودت عليه في المجلس، والزمه أيضاً خارج المجلس، فالناس ملت من سماع نواحك الذي لا يضر ولا ينفع، والنشامى ماضون في دربهم يدافعون عن حقوقهم رغم أنف كل نائحة مستعارة.
 
ختاماً، ستبقى المجالس مدارس للرجولة، لا يدخلها إلا من يملك الكلمة والشجاعة، وسيبقى النشامى هم من يتصدرون المشهد، وستبقى النائحة المستعارة على هامش المجلس، تبكي بلا دموع، وتنوح بلا حزن، وتتكلم بلا رجولة، حتى تنسى كما نسيت كل النائحات المستعارات عبر التاريخ.
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *