يقول الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه اللهى- في بيت شعر شهير يختصر تاريخاً من الصمود: حنا هل العوجا ولا به مراوات … شرب المصايب مثل شرب الفناجيل.
يجسد هذا البيت بعمق مدى الصبر والجلد الذي تتميز به القيادة السعودية، وحكمتها العالية في إدارة الأزمات والعبور بالبلاد إلى بر الأمان. فمنذ التأسيس، مرت المملكة العربية السعودية بأزمات وتحديات تكالبت فيها الأعداء، لكنها تكسرت جميعها أمام صخرة الثبات والتلاحم؛ فخرجت منها البلاد أقوى وأكثر تماسكاً ولله الحمد.
إن التفاف الشعب حول قيادته في المملكة العربية السعودية ليس مجرد تقليد اجتماعي أو خيار سياسي، بل هو عقيدة دينية وواجب شرعي. فقد جعل الإسلام طاعة ولاة الأمر ركيزة أساسية لحفظ الدين واستقرار الدنيا وزوال الفتن: ( قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. و أكد النبي ﷺ على هذا المبدأ في أحاديث كثيرة، منها قوله: (عَلى المَرْءِ المُسْلِم السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيما أَحَبَّ وكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ) [متفق عليه].
وقد بين علماء الأمة كالإمام الحافظ ابن حجر والإمام النووي أن الحكمة من إيجاب طاعة ولاة الأمر في المعروف هي المحافظة على اتفاق الكلمة ووحدة الصف؛ لما في الافتراق والنزاع من مفاسد عظيمة وضياع للأوطان.)
في عهد الملك فيصل – رحمه الله – صدحت الحناجر بأغنية وطنية شهيرة تناقلتها الأجيال عبر الذكريات تقول: “ربنا واحد ىدربنا واحد ،، كلنا فيصل وكلنا خالد”. واليوم، يتجدد هذا العهد والولاء بذات القوة ليكون شعارنا: “كلنا سلمان.. وكلنا محمد”.
إن التفاف الصغير والكبير في هذه البلاد حول قيادتهم يمثل سمة بارزة لأهل الدين والعقل؛ فالاجتماع خلف راية واحدة وكلمة موحدة هو المنطلق الرشيد لحماية الأوطان، خاصة في ظل العواصف الإقليمية والدولية المحيطة.
من قصص السلف في حفظ الطاعة واجتماع الكلمة سار الصحابة الكرام والتابعون على هذا النهج القويم ضرباً لأروع الأمثلة في تغليب المصلحة العليا للأمة وحماية بيضة المسلمين
موقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: عندما شهدت المدينة المنورة اضطرابات في زمن يزيد بن معاوية، وجاء بعض الناس ينقضون البيعة لشق عصا الطاعة، أقبل إليهم ابن عمر ورفض ذلك تماماً، وذكرهم بحديث رسول الله ﷺ: (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ) [رواه مسلم]. وشدد على خطورة تفريق الكلمة ونقض المواثيق حفاظاً على دماء المسلمين واستقرارهم.
ولقد صبر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: وواجه محنة شديدة وضغوطاً قاسية في زمن بعض خلفاء بني العباس. ورغم ذلك، لمّا جاءه بعض فقهاء بغداد يدعونه للخروج على الخليفة ونقض الطاعة، زجرهم بشدة وقال مقولته الشهيرة: “الدماء.. الدماء! لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة التي تُسفك فيها الدماء، وتُستباح فيها الأموال”، مؤكداً أن لزوم الجماعة وطاعة الإمام — برّاً كان أو فاجراً — هو صمام الأمان لمنع الفوضى وخراب البلاد.
ولقد رأينا عبر العقود الماضية ومن خلال التاريخ ، حكمة القيادة في مواجهة المكائد في الوقت الذي تتداعى فيه القوى المعادية ومن شايعهم لحياكة المؤامرات ضد هذا الوطن من كل حدب وصوب، أثبتت القيادة السعودية ريادتها السياسية الاقتصادية: ففي خط الشرق والغرب: حينما أتت التهديدات من جهة الشرق لتعطيل الملاحة الإستراتيجية، ابتكرت القيادة حلولاً استراتيجية عملاقة لتموين العالم وضمان استقرار الطاقة عبر بدائل نقل قوية.
• إخماد الفتن: كلما أطفأت الدولة حريقاً أشعله المتربصون في جهة ما – سواء في حدودنا الجنوبية الغالية أو غيرها – سارعوا لابتكار فتن أخرى، مدفوعين بأحقادهم ضد نبل وشرف هذا الوطن ومواقفه.
ومع كل هذه الدسائس، فإن صمود المملكة أمام التحديات يظل حالة استثنائية وعجيبة، يرجع الفضل فيها أولاً إلى توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم إلى اللحمة الوطنية واجتماع الكلمة بين الشعب والقيادة. وكلما زاد تلاحمنا، سقط في أيدي المتربصين وخاب مسعاهم.
إننا نردد اليوم بكل فخر ومسؤولية: “كلنا سلمان وكلنا محمد”؛ لحماية مقدرات هذا الوطن العظيم، وصون حدوده، ودعم مسؤولياته الكبرى التي يضطلع بهاهذا الوطن في المنطقة والعالم. وسنستمر في هذا البناء والتقدم بتوفيق الله ، رغماً عن كل من يغيظهم ما تشهده بلادنا الغالية من أمن، وازدهار، ونمو مستمر متسلحين بالعقيدة الحقة، والوعي الراسخ، والولاء المطلق.
ومضة الختام .. ولا يمكننا أن نذكر الصمود وإحباط المكائد دون أن نستحضر السياسة السعودية الحازمة التي لخصها مهندس الدبلوماسية العربية الأمير سعود الفيصل – رحمه الله – بمقولته التاريخية الخالدة التي تظل منهجاً ثابتاً لبلادنا: “نحن لسنا دعاة حرب، ولكن إذا قرعت الحرب طبولها فنحن لها” تلك العبارة تختزل نبل الفرسان في السلم، وبأسهم الشديد في الدفاع عن حياض الوطن وعقيدته، لتظل راية التوحيد شامخة، ويبقى التلاحم بين القيادة والشعب الدرع المتين في وجه كل عاصفة، وفي العرضة السعودية تُحتم دائما بقولهم .. تحت راية سيدي سمعا وطاعة.ونحن كذلك.
فاللهم أحفظ بلادنا من كل شر وأجعلها رائدة لكل خير ، واحفظ ولاة امرنا والشعب الكريم في أمانك وحصنك الحصين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
دمتم بخير .


التعليقات