لم تكن الضربات التي انهالت على طهران في صبيحة ذلك السبت من فبراير حدثًا عسكريًا بريئًا يُفهم بمعزل عن سياقه، بل كانت لحظة كاشفة لحالة أعمق من القلق تعتمل في أروقة القرار الغربي والإسرائيلي منذ سنوات: قلق من عالم يتغير بسرعة لم يعد الغرب فيها القاطرة الوحيدة، ولا إسرائيل فيه الذراع الأمنية المُطاعة. النووي الإيراني، بكل ما يحيط به من ملفات موثقة وتقارير دولية، لم يكن اختراعًا من العدم، لكنه كان أشبه بالباب الذي فُتح على مصراعيه في اللحظة المناسبة سياسيًا، لا لأن الخطر تضاعف فجأة، بل لأن الفرصة التاريخية لاستثماره صارت مواتية أكثر من أي وقت مضى.
عندما نتأمل تسلسل الأحداث نلحظ تناقضًا يصعب تجاوزه: حرب أُشعلت باسم منع سلاح لم يُصنَّع بعد، سرعان ما تحوّلت خطابيًا، بعد أسابيع قليلة لا أكثر، إلى معركة من أجل فتح ممر ملاحي في مضيق هرمز. لو كان الهدف نوويًا خالصًا، لكان تدمير المنشآت المعلن عنه كفيلًا بإسدال الستار على المبرر الأول. لكن الذريعة الجديدة ظهرت بسرعة تثير الشك أكثر مما تبدد الريبة، وكأن الأهداف كانت متعددة ومتراكمة منذ البداية: احتواء إيران، نعم، لكن أيضًا تأمين ممرات الطاقة، وإعادة ترتيب موازين النفوذ في إقليم بدأ يتحرك خارج المدار الغربي التقليدي. وهنا بالضبط تكمن المفارقة التي تستحق أن تُقال بصراحة: تعدد الأهداف كان القشة التي قصمت ظهر الهدف الواحد، إذ كشفت اللعبة عن نفسها بتسرّع لم يحسن أصحابها إخفاءه.
الحقيقة الأعمق التي تختبئ خلف الخطاب النووي هي أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يشهد تآكلًا فعليًا لعلاقته التاريخية بالمنطقة، وهي علاقة لم تكن يومًا علاقة جوار أو شراكة استراتيجية متكافئة، بل علاقة قوة فرضتها موازين القرن العشرين، وموازين القوة، مهما طال أمدها، تتآكل حين يتغير السياق الذي أنتجها. واليوم، في القرن الحادي والعشرين، لم تعد شعوب المنطقة ولا دولها ذلك الطرف الذي يمكن التعامل معه بمنطق الوصاية القديم؛ فرؤية السعودية 2030، وتنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط، والوساطات الدبلوماسية المستقلة التي قادتها الرياض في ملفات كانت حكرًا على واشنطن، كلها مؤشرات على استقلالية متصاعدة لم يعد الغرب قادرًا على تجاهلها. وإسرائيل نفسها، التي طالما لعبت دور “شرطي المنطقة” غير المعلن، خرجت من حرب غزة بصورة مهشمة أمام الرأي العام العالمي، عاجزة عن أداء الدور الردعي الذي كان يُعوَّل عليه، ما جعل الحاجة إلى معركة كبرى تعيد ترميم الهيبة المفقودة أمرًا مُلحًّا من منظور صناع القرار في تل أبيب وواشنطن معًا.
ولم يكن غياب الغطاء الأممي لهذه الحرب تفصيلًا هامشيًا، بل دليلًا إضافيًا على طبيعتها الحقيقية. فحين تُشن حرب من هذا الحجم دون تفويض من مجلس الأمن، ومن دولة تجاوزت هي نفسها عشرات القرارات الأممية دون عقاب، يصبح مشروعًا أن نتساءل: أي منطق قانوني هذا الذي يُلبِس إيران وحدها تهمة الخروج عن الشرعية الدولية؟ إن ازدواجية المعايير هنا ليست زلة عابرة، بل بنية راسخة في النظام الدولي، تكشف أن المسألة لم تكن يومًا عن الشرعية، بل عن من يملك حق كتابة قواعد اللعبة.
والدليل الأكثر إفصاحًا عن النوايا الحقيقية لهذه الحرب لم يأتِ من تحليل أو استنتاج، بل من واقعة سياسية مسجلة بوضوح: حين طلبت واشنطن من الرياض فتح أجوائها وقواعدها ضمن ما سُمّي “مشروع الحرية” لإعادة فتح مضيق هرمز، ورفضت المملكة ذلك رفضًا صريحًا مؤكدة أن التصعيد لن يحقق نتيجة، انفجر الخلاف على السطح: تهديدات أمريكية بتعليق تسليم أي سلاح إلى الرياض. هذا الرفض لم يكن تفصيلًا دبلوماسيًا عابرًا، بل كان اللحظة التي أفشلت مخططًا كان يراهن على توريط دول الخليج في أتون حرب لم تكن طرفًا فيها ولم تُستشر في إشعالها. ولعل ما يثير السخرية أكثر من الأسى أن الرهان كان مكشوفًا لدرجة لم تحتمل حتى التمويه: ذريعة نووية تتحول بسرعة إلى ذريعة ملاحية، وضغط مباشر على حليف يُفترض أنه الأقرب، كل ذلك في غضون أشهر معدودة.
وإذا كان الرفض السعودي قد كشف الغطاء عن حقيقة الحسابات الغربية في الخليج، فإن ملف “الإرهاب” في اليمن يقدّم مثالًا موازيًا على ازدواجية المعايير ذاتها، لكن هذه المرة داخل المعسكر الأمريكي نفسه. فتصنيف جماعة الحوثي على قوائم الإرهاب لطالما بدا أقرب إلى أداة ضغط سياسي متحركة تُرفع وتُخفض بحسب توازنات اللحظة، لا إلى موقف مبدئي ثابت. والأدهى من ذلك أن اجتماعًا سريًا عُقد في السفارة الأمريكية بمسقط مع أحد قياديي الجماعة يفضح هشاشة هذا التصنيف من أساسه: فحين تتفاوض واشنطن خلف الكواليس مع من تصفه علنًا بـ”الإرهابي”، يتكشف أن التصنيف نفسه لم يكن يومًا موقفًا مبدئيًا بقدر ما هو ورقة تُستخدم علنًا بينما تُدار المصالح الحقيقية في الخفاء. إن هذا التناقض ليس زلة بروتوكولية عابرة، بل نموذج مصغر لما هو أشمل: توظيف مفردات “الإرهاب” و”الشرعية الدولية” كأدوات تكتيكية تُرفع أمام الرأي العام وتُطوى متى اقتضت المفاوضات السرية واقعًا مغايرًا. وهو ما يعزز الفرضية ذاتها التي يقوم عليها هذا المقال: أن الخطاب المعلن، نوويًا كان أم أمنيًا، غالبًا ما يكون واجهة لحسابات أعمق لا علاقة لها بالمبادئ التي يُرفع باسمها.
إن ما جرى، إذن، ليس صراعًا نوويًا بالمعنى الذي سُوِّق به إعلاميًا، بل حربًا لاستعادة هيمنة تتعثر، خاضها الغرب وإسرائيل وهما يدركان في العمق أن الزمن لم يعد في صالحهما، فاختارا الذريعة الأقرب واستثمراها إلى أقصى حد ممكن. لكن امتناع دول المنطقة عن الانجرار، وتمسكها بحساباتها ومصالحها الخاصة بعيدًا عن إملاءات القوة القديمة، كان الرد الأبلغ على تلك المحاولة: أن زمن الوصاية قد ولّى فعلًا، وأن ما تبقى من أدوات الهيمنة القديمة صار أعجز من أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.


التعليقات