على مدار سنوات طويلة حرصتُ على اقتناء المجلة العربية، كانت مشدوداً لها وأرى أن وجودها في مكتبتي وقراءتي لها حدثٌ شهري لا بد أن أخصص له مساحة من الوقت مهما كانت المشاغل، وكم كنت حريصاً على زاوية الكاتب سعد البواردي (ما قل ودل) والذي أراهن على أنه أول من اخترع فكرة التغريد قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي.
ولا أنسى لقاء العدد الذي استضافت فيه المجلة على مدار أعوام طويلة عدداً من رموز العالم العربي والإسلامي و كانت أسئلته موحدة بين الضيوف مهما اختلفت مناصبهم واهتماماتهم، وأذكر أن من بين الأسئلة سؤال (ما هو المنظر أو المواقف الراسخ في ذهنك؟) وأذكر أن أغلب الإجابات كانت عن رؤية الكعبة المشرفة لأول مرة، كنت ابتسم مع كل إجابة تشير إلى الكعبة لأنهم بكل بساطة كانوا جميعا يتحدثون عني.
فمازالت لحظة وصولي عند بيت الله الحرام بكامل تفاصيلها وأنا أجاوز الثمانين من العمر اليوم تمر أمامي كفلم سينمائي مليء بالمشاعر، أوقفنيالسائق ومن معي بعد صلاة العشاء وقال هذا الحرم، مضيت بخطوات متسارعة ونبضات قلبي تدق بكل عنف وأنا أدخل من باب السلام، وهنا لا أنسى أنني استمعت إلى صوتٍ مألوف كنت قد سمعته كثيراً من قبل، إنه صوت عباس علوي مالكي _رحمه الله_ وهو يحدثُ طلابه في حلقته حول الحرم وكنا من قبل نستمع إليه عبر الراديو وأنا اليوم أراه وأسمعه مباشرة.
توقفت للحظات حتى أرى وجه ذلك الانسان الذي كنت أسمع صوته لسنوات، وكم كان الفرق كبيراً بين وجهه المُتخيل وأنا في القرية ووجهه الحقيقي وأنا أنظر إليه في مكة، لم أمكث أمامه طويلاً فعبرتُ إلى الصحن وهنا لعلي لا أبالغ إن قلت أن الحديث عن هيبة وجلال وجمال الكعبة شيء لا يوصف بما تعني الكلمة، البحث عن الحجر الأسود، وتأمل مقام إبراهيم، ورؤية الناس وهم ركعاً سجوداً وقد أتوا من كل فج عميق لحظة لا تعدلها لحظة وشعورٌ لا يعادله شعور، ولا يمكن لجيل اليوم الذي رأى الكعبة الاف المرات في التلفاز والجوال قبل أن يصل إليها مثل أجيالنا أن يتخيل نفس هيبة الشعور الأوليّ الذي أتحدث عنه.
خرجت من الحرم بعد قرابة الساعة وأذكر أنني كنت سائحاً في جنباته أكثر من كوني عابداً ذلك الوقت، كان خروجي من الباب المؤدي إلى جرول لأني قد سمعت من قبل أن أخي عوض يعمل في مركز شرطة المنطقة الخامسة بها، وهنا بدأت أستوعب الفارق بينمحدودية القرية التي تعرف كل من فيها ويعرفونكوبين زحام المدينة، وفهمت لأول مرة أن هناك مئة سعيد وعوض في مكة وليسوا سعيد وعوض الذين أعرفهم فحسب.
والناس في مكة غير الناس في القرية فهم بعد العشاء للتو بدأ الليل عندهم والناس في القرية لا تسمعُ لهم همسا، والناس في مكة يعتمرون على رؤوسهم الطواقي المزركشة وأهالي القرية لا بد لهم من (دسمال) أو غترة أو أي غطاءٍ يغطون به رؤوسهم صغيرهم وكبيرهم مهما كان هذا الغطاء.
والناس هنا يمدون ليّ الشيشة ويكركرون بها في صوت مهيب جعلني أتردد في سؤالهم وأتحرج منه فأصبحت أسأل العابرين مثلي في الطريق عن (جرول) المنطقة (الخامسة) لعلي أصل إلى عوض، ومن دليلٍ إلى دليل ومن عابرٍ إلى عابر وصلت إلى المنطقة الخامسة قرابة العاشرة ليلاً.
كنتُ أقدم رجلاً وأؤخر أخرى كما يقول رواة القصص، فالعسكري الواقف على البوابة لم يكن يبدوا عليه أنه مشغول بشيء عن مراقبة الطريق، وعندما اقتربت منه سألته في خوف عن عوض العمري، رد علي وش تبغى به؟ فرددت عليه وقد انحبست أنفاسي من الرهبة إنه أخي، لم يطل بيني وبينه الحوار فقد كان عوض للتو قد أنهى مهمته في الحراسة وهو بجانبه ولكن صوتي كان ضئيلاً لدرجة أنه لم يسمعه.
رد علي العسكري هذا هو وكم كانت الفرحة في قلبي عندما رأيته وكم كانت فرحته أيضاً، تعلقتُ به وكأنني وجدتُ والدي، شعور رهيب ينتابني بعد هذه السنوات وأنا أكتب هذه العبارة، احتضنني بحرارة ورحب بي ثم رحب ثم رحب، كان قد مضى على سفره من الديرة أكثر من عام، وكانت الغربة تنهشهنهشاً كما كانت أحوال كل المغتربين في ذلك الزمن.
سألني عن أبي وعن أمه وعن أمي وعن إخواني وأخواتي وعن أهالي القرية واحداً واحداً وعن أحوالهم وعن (البلاد) التي لا يمكن للمزارع مهما تباعدت به الديار أن ينساها، وعن أشياء كثيرة ثم أجلسني على سرير نومه الذي كان يُسمى (الكروتيه) وترك مناوبته لزميله وانطلق ليحضر لي عشاء ونمتُ على سريره الذي تركه لي نومة هانئة تلك الليلة لا أنسى جمالها.
استفقتُ في الصباح على غير صباح القرية، فبعد أن صلينا الفجر انطلقت الفرقة الموسيقية تجاوب شوارع مكة وهي تعزف الموسيقى العسكرية وخلفها تمضي الطوابير في تناسقٍ وقوة وطول لا تكاد ترى له نهاية، لقد كان شيئاً أقربُ إلى الخيال منه إلى الواقع، ولحظةٌ فارقةٌ في تصوري عن المدينة وعنحياة أهلها الذين لا ينامون ليلهم ويبدأون صباحهمعلى هذه المعزوفات البديعة.
لم يطل بي الوقت إلا وقد وصل أخي سعيد وابن عمي علي _رحمهما الله_ ونفس الأسئلة التي سألني عنها عوض بالأمس سألوني عنها بتفاصيل أكثر ولا أدري أينا أكثر فرحاً بالأخر، هل فرحهم بالقادم الجديد أم فرحتي بهم وهم يسألوني وأنا أجيب بما يحلوا لي وهم يستمعون إلي بإنصات إلى كل ما أقوله دون أن يقاطعني أحد.
ثم مرت الأيام وأنا أتنقل في إقامتي بين عوض وزملائه العسكريين الذين لم أعد أخافهم بل أصبحت واحداً منهم ولا يكاد يفرقني عنهم إلا الزي العسكري، وبين سعيد الذي استضافني في بيته كابن له لا ينقطع عن رعايته والاهتمام به، عرفت في تلك الأيام قبل بداية دراستي في مكة العديد من الأحياء المعابدة والسليمانية والحجون والششةومنى، وتذوقتُ ال


التعليقات
5 تعليقات على "أنا في مكة – بقلم الشيخ مشرف بن سكوت العمري"
هيفاء عبدالله العمري
.
خالي الغالي الذي افخربه ويزيد اعجبي وحبي له يوم بعد يوم اطال الله عمره وحفظه من كل مكروه وسوى
أم خالد
.
ليت من يتبنى ويدون لنا هذه القصص والحكايات والذكريات ويحفظه للتاريخ
أم خالد
.
ليت من يتبنى تدوين حكايات الاولين وذكرياتهم وقصصهم ويحفظها للجيل القادم
Abdullah Al-Alshehery
.
سلمت أناملك شيخنا العزيز وصديق والدي رحمه الله ابدعت في كتابت هذه الروايه من قصص الأثر الجميله والتى تدل على النعمه العظيمه التى أنعم الله علينا بها في هذا البلد العظيم الذي نسأل الله ان يحفظ بلادنا ويحفظ علينا هذه النعم التى لا تحصى كذلك هذا التطور الذي ننعم به في هذا الوقت وغيرها كثير انت ابدعت في كتابت ما كان واقع إلى ان اصبح في هذه الايام مثل الخيال عند جيل اليوم جزيت خير على هذا الابداع وتقبل تحياتي .
سعد المالكي(الشهري) أبو أصيل.
.
أبحرت معك شيخنا العزيز أبا عوض،فقد أخذتنا معك في رحلةٍ قصيرة ممتعة وعدت بنا إلى ماضٍ جميل،حفظك الله وأمدّ في عمرك على طاعته،ولا أنسى مشاعركم عندما تجولنا العام الماضي معاً ومررنا بشارع العتيبية العام
وتذكرت من كان فيها من الأحبة رحمهم الله.