الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ الموافق ٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ

صور من التاريخ الاجتماعي في بلاد تهامة والسراة في العصرين الحديث والمعاصر – أ. د. غيثان بن علي بن جريس

صور من التاريخ الاجتماعي في بلاد تهامة والسراة في العصرين الحديث والمعاصر – أ. د. غيثان بن علي بن جريس
أولا :- مدخل: يقوم المجتمع على الفرد والأسرة، ثم تتسع دوائره لتشمل القرية والعشيرة والقبيلة. ولا يمكن فهم التاريخ الاجتماعي لبلاد تهامة والسراة بعيدًا عن البيئة الطبيعية والأحداث السياسية والاقتصادية التي شكّلت حياة السكان عبر الأزمنة. فقد أثرت التضاريس والمناخ وموارد الماء والزراعة وطرق التجارة والحج في مواضع الاستقرار، وأنماط العمل، والعلاقات بين الناس، كما ترك قيام المملكة العربية السعودية وما تبعه من أمن وتعليم وتنمية أثرًا عميقًا في حياة الأفراد والجماعات. وتستند هذه الورقة إلى ما قرأته في المصادر والمراجع، وما وقفت عليه من وثائق محلية، وما سمعته من الآباء والأجداد والأعيان، فضلًا عن مشاهداتي ورحلاتي في نجران وجازان وعسير والباحة والقنفذة والطائف وغيرها من بلاد تهامة والسراة. وهي لا تدّعي الإحاطة بتاريخ اجتماعي واسع ومتعدد، وإنما تقدم صورًا عامة من أحوال الأسرة والقرية، والرجل والمرأة، والعشيرة والقبيلة، وبعض العادات المرتبطة بالأعياد والختان والمآتم، وتدعو إلى مزيد من البحث والتوثيق.
 
ثانياً:- الأسرة والقرية: اختلفت أوضاع الأسرة التهامية والسروية باختلاف المكان ونمط المعيشة. فالأسرة البدوية أو الريفية كانت وحدةً للعمل والإنتاج؛ يتعاون أفرادها في الرعي والزراعة والجمع والالتقاط والصيد وسائر أسباب الرزق. وكان الرعي أوسع أعمال الأسر البدوية انتشارًا، فيخرج إليه الرجال، كبارًا وصغارًا، وقد تشاركهم النساء عند الحاجة، بينما تقوم المرأة بأعمال المنزل وإعداد الطعام والعناية بالأطفال وما يتصل بحياة الأسرة اليومية. وكانت المساكن تتنوع بين الخيام وبيوت الشعر، والعشش المصنوعة من القش والأخشاب، ثم ظهرت في بعض النواحي مساكن من ألواح الزنك والحديد.واتسمت معيشة الأسر البدوية خلال القرن الرابع عشر الهجري، الموافق للقرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، بالبساطة ومحدودية الموارد. ثم تحسنت أوضاعها تدريجيًا مع استقرار الأمن واتساع التعليم وتنوع الوظائف وتطور المواصلات والخدمات. وتراجعت حياة التنقل والرعي عند نسبة كبيرة من البدو، وانتقل كثير منهم إلى القرى والمدن، وانخرط أبناؤهم وبناتهم في التعليم والعمل الحكومي والخاص. وشمل هذا التحول بوادي السراة، والسهول والأجزاء الساحلية من تهامة.
 
أما سكان القرى والأرياف والمدن، فكان استقرارهم أوضح لارتباطهم بالمنازل الثابتة والأراضي الزراعية والأسواق. ففي السراة الممتدة من نجران وقحطان إلى الطائف غلب البناء بالطين والحجارة، بينما انتشرت في بعض السهول والسواحل التهامية بيوت القش والأخشاب وأغصان الأشجار. وظهرت أنماط مشابهة في بعض الحواضر الشرقية، مثل تربة ورنية وبيشة. واعتمد معظم السكان على الزراعة والرعي والحرف والصناعات اليدوية، وعمل بعضهم في التجارة أو في أعمال إدارية ومدنية وعسكرية محدودة.وبعد توحيد المملكة العربية السعودية تحسنت أحوال الأسرة ماديًا ومعنويًا، وإن استمرت في ممارسة كثير من أعمالها التقليدية مدةً من الزمن. ومع اتساع مسيرة البناء الحديث، أخذ أفراد الأسر يلتحقون بالمدارس والجامعات، وينخرطون في وظائف الدولة والقطاع الخاص، ويطورون أوضاعهم العلمية والثقافية والمالية. وتسارعت هذه التحولات خلال العقود الخمسة الممتدة من نحو سنة ( ١٣٩٥هـ إلى ١٤٤٨هـ ، الموافق من ١٩٧٥م إلى ٢٠٢٦م ) ، وكان السرويون والتهاميون جزءًا من التحول الكبير الذي شهدته المملكة كلها.
 
وقد أسهم تواضع الحياة الاقتصادية، وضعف الأمن في بعض المراحل، والصراعات القبلية والأحداث العسكرية في توثيق الصلات بين أفراد الأسرة والقرية.وكان الناس يلتفون حول بعضهم للعمل وكسب الرزق والدفاع عن الأنفس والممتلكات ومواجهة الأخطار البشرية والطبيعية. وإلى عهد قريب، لم يكن رجال الأسرة ونساؤها يبتعدون كثيرًا عن محيطهم، حتى في الزواج والمصاهرة، كما كان ترك الأرض والانتقال الدائم منها أقل شيوعًا مما أصبح عليه في العصر الحديث والمعاصر .وكانت المدن والحواضر، مثل الطائف والقنفذة وبيشة وأبها وخميس مشيط وجازان وصبيا، أوسع اتصالًا بغيرها من القرى والبلدان. ومنذ منتصف القرن الرابع عشر الهجري بدأت العلاقات الاجتماعية تتسع تدريجيًا، ثم شهدت منذ تسعينياته تغيرًا متسارعًا بفعل التعليم والوظيفة والهجرة الداخلية والطرق ووسائل الاتصال. وبذلك أصبحت دائرة الأسرة الاجتماعية أوسع من القرية والعشيرة، وامتدت صلاتها إلى مختلف مناطق المملكة وخارجها.
 
 لقد عرفت الأسرة القديمة قيمًا راسخة في الترابط والتراحم واحترام الكبير والعطف على الصغير. وكان الأب والأم، أو الجد والجدة، مرجعًا في شؤون الأسرة، كما شارك أهل القرية في تربية أبنائها وبناتها. فالكبير يُخاطب بألقاب التوقير، مثل العم والخال أو العمة والخالة، وربما قيل للرجل الكبير والدي أو أبي، وللمرأة الكبيرة أمي. وكان كبار السن ينصحون الصغار ويحثونهم على الصلاة وحسن السلوك، ويتقبل الأبناء ذلك بوصفه جزءًا من مسؤولية المجتمع كله.ولا تزال أسر كثيرة متمسكة بهذه القيم، إلا أن التحولات الحديثة أضعفت بعض صور الترابط القديم، وظهرت مشكلات أسرية جديدة، منها اتساع الخلاف بين الأقارب والأزواج، وضعف بعض صور المسؤولية والتواصل، وغلبة المصالح الفردية والمادية في بعض العلاقات. ولا يصح تعميم هذه المظاهر على المجتمع كله، لكنها تستحق دراسة علمية هادئة تعتمد على سجلات المحاكم والجهات الاجتماعية والأمنية، وعلى المقابلات والوثائق والروايات الشفهية، لتبين حجم التغير وأسبابه وآثاره.
 
ثالثاً:- القرية والعمران: الحديث عن القرية واسع؛ فهي ليست مجموعةً من البيوت فحسب، بل إطار اجتماعي واقتصادي وثقافي تشكلت داخله حياة أجيال متعاقبة. وقد استوطنت قبائل عربية كثيرة بوادي تهامة والسراة وقراهما منذ أزمنة بعيدة. وأشارت المصادر القديمة، بما فيها بعض المؤلفات الكلاسيكية الأجنبية ومصادر التراث الإسلامي، إلى مدن وقرى ومحطات على طرق الحج والتجارة. ثم توسعت المصادر والوثائق الحديثة في ذكر المواضع الحضرية والريفية والبدوية.ونشأت قرى كثيرة على ضفاف الأودية، وبجوار الأراضي الزراعية والآبار والأسواق الأسبوعية وطرق الحج والتجارة، كما قامت قرى أخرى على رؤوس الجبال والهضاب والمرتفعات. وفي تهامة ظهرت مستوطنات في السهول المعروفة بالخبوت، أو بالقرب من الساحل والأودية الرئيسية والفرعية. وقد اختار السكان مواقعهم وفق حاجاتهم إلى الماء والزراعة والأمن والاتصال بطرق الحركة.
 
وغلب على القرية القديمة صغر المساحة وتقارب المنازل وضيق الأزقة، وكان المسجد يتوسطها في كثير من الأحيان. واستخدم الأهالي الحجارة والطين والأخشاب والشجيرات في البناء، وتولى حرفيو البلاد أعمال التشييد. وكانت الأسرة الفقيرة تكتفي بغرفة أو غرفتين أو عريش متواضع، في حين شيد بعض الشيوخ والأعيان وأصحاب الثراء قصورًا وحصونًا متعددة الطوابق. وتكاملت مع البيوت مرافق القرية، مثل المساجد والآبار والمقابر والمدرجات الزراعية والأحمية والطرق الصغيرة والأسواق.وشهدت بعض المدن والقرى الكبيرة مباني إدارية قبل العهد السعودي، ثم استأجرت الجهات الحكومية في العقود الأولى من قيام المملكة عددًا من منازل الأهالي لمقارها. وقد وقفت على وثائق تشير إلى مقرات رسمية أو مستأجرة في أبها وخميس مشيط ونجران وبيشة وجازان وأبي عريش وصبيا والقنفذة والطائف خلال ستينيات القرن الرابع عشر الهجري وسبعينياته. ومنذ تسعينيات ذلك القرن تزايد إنشاء المباني الحكومية المخصصة للإدارات والخدمات.
 
 ودخلت تهامة والسراة مرحلة التحول العمراني الواسع منذ منتصف تسعينيات القرن الرابع عشر الهجري. وأدت الدولة الدور الأكبر في هذا التحول من خلال القروض والمساعدات السكنية، وشق الطرق، وتطوير شبكات الماء والكهرباء والاتصالات، وبناء المدارس والمستشفيات والمطارات والموانئ والسدود والمقار الحكومية، ودعم الأنشطة التجارية والصناعية والسياحية. وقد شاهدت خلال رحلاتي منذ سنة (١٣٩٦هـ الموافق ١٩٧٦م ) تغير وجه البلاد في بضعة عقود.وقد اختلف العمران الحديث عن القديم في اتساع المنازل وتعدد مرافقها، وفي انتظام المخططات والشوارع، وفي الاعتماد على مواد بناء مصنعة وأيدٍ عاملة وافدة. وأنتج الانتقال من البيت الصغير إلى المسكن الواسع تحولات في الأثاث والخدمات وأنماط الاستهلاك والمصطلحات المتداولة. ولهذا فإن تاريخ العمارة لا ينفصل عن تاريخ اللغة والعادات والعمل والأسرة، وهو مجال مشترك بين التاريخ والآثار والجغرافيا والعمارة وعلم الاجتماع واللسانيات.
 
غير أن سرعة الانتقال إلى العمران الحديث أدت إلى هجر قرى ومنازل وقصور وحصون كثيرة، حتى تحول بعضها إلى أطلال. ورأيت في نجران وجازان والباحة وعسير والقنفذة والطائف نماذج من هذا التراث، ولاحظت أن بعض السكان ينظرون إليه بوصفه شاهدًا على التعب والمشقة، لا بوصفه سجلًا لتاريخ الآباء والأجداد ومهاراتهم. بل هُدم بعضه ليقام مكانه بناء حديث، مع أن كثيرًا من تلك المنشآت يحمل خصائص معمارية محلية جديرة بالحفظ والدراسة.وقد حضرت ندوات ولقاءات عديدة خلال الثلاثين سنة الماضية تناولت التراث العمراني، وسمعت فيها رؤى نافعة، لكن كثيرًا من التوصيات لم يتجاوز قاعات المؤتمرات. والحاجة اليوم ملحة إلى حصر القرى التراثية وتوثيقها بالصور والمخططات والروايات والوثائق، وترميم ما يمكن ترميمه، وربط المحافظة عليها بالتعليم والثقافة والسياحة. فصيانة هذا التراث لا تعني العودة إلى حياة الماضي، وإنما تعني حفظ شواهده والاستفادة منها في فهم تاريخ المجتمع وتنمية المكان.
 
رابعاً:- الرجل والمرأة: الرجل والمرأة عماد الأسرة والمجتمع، وقد اشتركا في تهامة والسراة في تحمل أعباء الحياة وكسب الرزق. وكانت القرية تبدو في كثير من أعمالها كأنها أسرة كبيرة، يتعاون رجالها ونساؤها في الزراعة والرعي وجلب الماء والحطب وإعداد الطعام وتربية الأبناء واستقبال الضيوف. وبقي هذا النمط حاضرًا خلال معظم عقود القرن الرابع عشر الهجري، مع تفاوت واضح بين البادية والريف والمدن. وقد دفعت الحاجة بعض الرجال إلى السفر من قراهم طلبًا للعمل والتجارة، ثم اتسعت الهجرة الداخلية مع نمو المدن والوظائف. ونقل كثير منهم أسرهم إلى أماكن إقامتهم الجديدة، فتغيرت صلة الأسرة بالقرية وبالأرض الزراعية وبالأسرة الممتدة. ثم لحقت المرأة بالتعليم، ودخلت مجالات العمل المختلفة، وأصبحت شريكةً في التحول العلمي والاقتصادي الذي عرفته البلاد.
 
وتميزت أجيال الآباء والأمهات بالصبر على شظف العيش، والحرص على الرزق الحلال، وتربية الأبناء على احترام الكبير وإكرام الضيف ومساعدة الجار. ولم تكن حياتهم سهلة من الناحية المادية، لكنها قامت على بساطة الاحتياجات وقوة التعاون الأسري. أما أجيال العصر الحاضر فقد توافرت لها إمكانات واسعة في السكن والتعليم والصحة والاتصال والتنقل، لكنها تواجه ضغوطًا وتحديات اجتماعية لم تكن معروفة بالصورة نفسها لدى الأجيال السابقة.وأسهم التعليم العام والعالي في انتقال المجتمع من انتشار الأمية ومحدودية المعرفة النظامية إلى مجتمع واسع المشاركة في العلوم والوظائف. كما أثرت الإدارة الحديثة والدخل المالي والطرق والإعلام والأسفار ووسائل الاتصال في حياة الرجال والنساء. وكانت لهذه التحولات آثار إيجابية كبيرة، إلى جانب آثار تحتاج إلى دراسة، مثل تغير توزيع الأدوار داخل الأسرة، وضعف بعض الصلات الاجتماعية، وتأثير الإعلام ووسائل التواصل في القيم والسلوك.
 
وتحتاج حياة الرجل والمرأة في تهامة والسراة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين إلى دراسات مقارنة لا تكتفي بوصف الماضي أو الحاضر، بل تبحث في العمل والتعليم والزواج والهجرة وتربية الأبناء وتقسيم المسؤوليات والتحولات القيمية. وهذه مسؤولية الجامعات وأقسام التاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا ومراكز البحوث، بالتعاون مع أبناء القرى وكبار السن وأصحاب الوثائق المحلية، وأيضاً المقابلات والروايات الشفهية .
 
خامساً:- العشيرة والقبيلة: مثلت العشيرة والقبيلة إطارًا أساسيًا لتنظيم المجتمع في تهامة والسراة، وارتبطت كل جماعة بأرضها ومواردها وحدودها وأعرافها. وقد أظهرت قراءتي في المصادر والمراجع، واطلاعي على وثائق واتفاقيات محلية، ومقابلاتي مع الشيوخ والأعيان خلال رحلات امتدت من سنة ( ١٣٩٢هـ إلى ١٤٤٨ هـ ، الموافق من ١٩٧٢م إلى ٢٠٢٦م) ،جوانب متعددة من حياة القبائل خلال نحو قرن ونصف، من سنة ( ١٣٠٠هـ / ١٨٨٣م) إلى وقتنا الحاضر .وتشير المصادر الإسلامية المبكرة والوسيطة إلى نفوذ القبائل في مواطنها، كما تكشف المصادر الحجازية واليمنية والوثائق المحلية عن تحالفات واتفاقيات عقدتها عشائر وقبائل في نجران وجازان وعسير وبيشة وتربة ورنية والطائف وغامد وزهران والأجزاء التهامية. وكان هدف كثير من هذه التحالفات الدفاع المشترك، وحماية الطرق والموارد، ومواجهة الأخطار التي تهدد الأمن والمعيشة.
 
وشهدت البلاد صراعات على الحدود والمياه والمراعي والأملاك، وارتبط بعضها بالأعراف والمكانة والتحالفات. وترد في أخبار أيام العرب إشارات إلى حروب سبقت الإسلام، ثم جاءت في المصادر الإسلامية إشارات متفرقة إلى نزاعات في العصور المبكرة والوسيطة. أما العصران الحديث والمعاصر فقد تركا مادةً أوفر في الوثائق والتقارير والمراسلات، تكشف تداخل القوى المحلية والإقليمية وأثر ذلك في القبائل والسكان.وكانت للقبيلة أعراف نافعة في التعاون والتكافل وحماية الضعيف وإصلاح ذات البين، كما كانت لها اتفاقيات شفهية ومكتوبة تنظم بعض العلاقات.             
 
وفي المقابل، ظهرت في بعض الأزمنة نزعات عصبية وممارسات أضرت بالأمن والعلاقات بين الجماعات. ومن واجب الباحث أن يدرس الجانبين بإنصاف، فلا يحول تاريخ القبيلة إلى مدح مطلق، ولا يختزله في الصراع والعصبية. ومع امتداد الدولة السعودية الحديثة إلى تهامة والسراة وتوحيد البلاد تحت حكم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود( يرحمه الله) ، انتقل المجتمع تدريجيًا من تعدد مراكز القوة المحلية إلى سلطة الدولة ومؤسساتها. وشاركت بعض القبائل مبكرًا في مساندة الملك عبدالعزيز، بينما تأخر انضمام قبائل أخرى، ووقعت مواجهات في سياق توحيد البلاد. ثم استقرت الأوضاع، وأصبح الأمن والقضاء والإدارة من اختصاص مؤسسات الدولة.
         
ولقد بذلت وزارة الداخلية وإمارات المناطق والمحافظات والمراكز والقطاعات الأمنية جهودًا كبيرة في تنظيم علاقة الدولة بالمجتمع المحلي. واستفادت الإدارة من مكانة شيوخ القبائل والنواب والعرائف في متابعة شؤون القرى والعشائر، وربطها بالمؤسسات الرسمية، والمشاركة في تثبيت الأمن وحل المشكلات وخدمة السكان. وتكشف سجلات الإمارات والمحافظات والشرطة والمحاكم الشرعية وغيرها عن تفاصيل مهمة لهذا التحول الإداري والاجتماعي. ولا تزال سياسة الملك عبدالعزيز ورجال دولته في التعامل مع قبائل تهامة والسراة بحاجة إلى بحوث أعمق. فهناك آلاف الوثائق والسجلات والتقارير المحلية التي يمكن أن توضح وسائل نشر الأمن والتعليم، وتسوية النزاعات، وبناء الإدارة، وإدماج أبناء القبائل في مؤسسات الدولة. وقد أسهمت هذه الجهود، مع التعليم والتنمية، في انتقال الانتماء من الإطار المحلي الضيق إلى المواطنة الجامعة، من غير أن تلغي الروابط الاجتماعية الإيجابية للعشيرة والقبيلة.
 
سادساً:- الأعياد: احتلت الأعياد الدينية مكانة بارزة في الحياة الاجتماعية لأهل تهامة والسراة. وتشير بعض الكتب والوثائق والروايات إلى فرح الناس بقدوم شهر رمضان، وإقبالهم فيه على الصيام والعبادة والتواصل. وفي أواخره كانت الأسر تنظف منازلها وتهيئها لاستقبال عيد الفطر. ومع دخول عشر ذي الحجة يستعد الناس لعيد الأضحى، ويصوم كثير منهم يوم عرفة، ثم يجتمعون للصلاة والتزاور وتبادل التهاني وإكرام الضيوف وذبح الأضاحي كل حسب قدرته.ولم تكن مظاهر الاحتفال واحدة في جميع المواضع؛ فقد تأثرت بظروف البيئة والأمن والاقتصاد وطبيعة العمل. وكانت احتفالات البادية أبسط وأقصر في الغالب بسبب الترحال والرعي ومحدودية الموارد، بينما اتسعت الاستعدادات في القرى والمدن، وظهرت فيها صور متعددة من الاجتماعات والأطعمة والزيارات والألعاب الشعبية. ومع ذلك اشترك الجميع في تعظيم المناسبة وإظهار الفرح وصلة الأقارب والجيران.
         
وتكشف بعض الاتفاقيات القبلية والوثائق العائدة إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري عن توجيهات كان يبعث بها القضاة والأمراء إلى أئمة المساجد وشيوخ القبائل بشأن صلاة العيد وترتيب شؤون الناس. وكان القاضي في كثير من المدن والبلدات يتولى الخطبة والصلاة، ويحضر الأمير والأعيان وشيوخ القبائل، ثم يتبادلون السلام والتهنئة. وبعد توحيد المملكة العربية السعودية أصبحت الإدارات الرسمية أكثر حضورًا في تنظيم المصليات والمناسبات، وأسهمت المؤسسات الدينية والأمنية والتعليمية في تعزيز الأمن والتآلف بين السكان.
         
وقد عاصرت صورًا من العيدين منذ أواخر ثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري. وكانت الحياة محدودة الإمكانات، و الأطعمة والذبائح والملابس بسيطة، غير أن الشوق إلى العيد والمشاركة فيه كانا واضحين بين مختلف طبقات المجتمع. وكان للراديو، ثم وسائل الإعلام الأخرى، دور في إعلان دخول رمضان والعيدين ويوم عرفة، إلى جانب ما يصدر عن الجهات الرسمية في كل ناحية.ثم تغيرت مظاهر الأعياد خلال القرن الخامس عشر الهجري بفعل تحسن الدخل واتساع الأسواق والطرق ووسائل الاتصال وتنوع السكان. فازدادت القدرة على الإنفاق والسفر وتبادل الهدايا، وشارك المقيمون من غير السعوديين بعاداتهم واحتفالاتهم، ونشأت بينهم وبين السكان صور من التواصل الاجتماعي. وفي المقابل تراجعت بعض الزيارات والاجتماعات القديمة، وأصبح جانب من التهنئة يتم عبر الهاتف ووسائل التواصل.
         
وتوثيق وكتابة تاريخ العيدين في تهامة والسراة خلال العصرين الحديث والمعاصر ، وتحديداً من القرن الثالث عشر الهجري الى الآن (١٤٤٨هـ / ٢٠٢٦م) تحتاج إلى دراسة مستقلة تجمع الوثائق والروايات الشفهية والصور ووصف الأسواق وأسعار الأضاحي والأطعمة والملابس والفنون الشعبية. ومن المفيد أن تقارن هذه الدراسة بين البادية والقرية والمدينة، وبين أجيال القرنين الثالث عشر والرابع الهجريين وأجيال القرن الخامس عشر، حتى تحفظ للأجيال جانبًا مهمًا من تاريخ حياتها الدينية والاجتماعية.
 
سابعاً: الختان ، والمآتم والوفيات: الختان من خصال الفطرة المعروفة في المجتمع المسلم، وقد ورد في الحديث الصحيح: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط». وعرف أهل تهامة والسراة ختان الذكور منذ أزمنة بعيدة، وتناولت بعض كتب التاريخ والرحلات والجغرافيا عادات الختان في حواضر الحجاز واليمن وأجزاء من السراة وتهامة. كما وقفت على وثائق ومراجع حديثة تضمنت إشارات إلى ممارسته في عسير والباحة والطائف وجازان ونجران خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. وكان الختان في بعض القرى يؤخر إلى ما بعد العاشرة، وربما إلى سن الشباب، ويقام جماعيًا لأبناء القرية أو العشيرة. وتصاحبه الولائم والأهازيج والأشعار والألعاب الشعبية، وقد تستمر الاحتفالات أيامًا، وربما امتدت في بعض النواحي التهامية مدة أطول. وعُرف في بعض القبائل لون شعري يسمى «القاف»، إلى جانب فنون يؤديها الرجال والنساء، وكانت مشاركة الرجال أوسع في الاحتفال العام.
 
غير أن بعض الممارسات القديمة اتسمت بالقسوة والمبالغة، ولا سيما ما عُرف بالسلخ أو الإجحاف ، وكانت أكثر شيوعًا في بعض الأرياف والبوادي. وأدى غياب الرعاية الطبية وضعف الخبرة أحيانًا إلى نزف أو مضاعفات خطرة ووفاة بعض المختونين. وفي المدن والحواضر الكبيرة، مثل الطائف والقنفذة وبيشة وأبها وجازان، كان الختان أحياناً في سن مبكرة وعلى أيدي أصحاب خبرة أكثر شيوعًا من بعض المناطق الريفية.وتشير روايات شفوية من بعض نواحي تهامة إلى ممارسة ختان الإناث قديمًا، وإلى قيام بعض النساء الكبيرات به في الأيام الأولى بعد الولادة. ولم أجد هذه العادة بالقدر نفسه في الأجزاء السروية. والمقصود هنا تسجيل ما ورد في الروايات على أنها ظاهرة اجتماعية تاريخية، لا بحث الحكم الفقهي أو الطبي لها، فلكل مجال مؤسساته ومتخصصوه.
 
 وأسهم توحيد البلاد وانتشار التعليم والمستوصفات والمراكز الطبية في تغيير هذه العادات. ومنذ سبعينيات القرن الرابع عشر الهجري وثمانينياته ثم تسعينياته بدأت تتراجعت تلك الممارسات القاسية، وكان للإمارات والمحاكم والشرطة وطلبة العلم والدعاة ووسائل الإعلام دور في توعية الناس. ثم أصبحت عمليات ختان الذكور تجرى في المستشفيات والمراكز الصحية خلال الأيام الأولى من الولادة،وتراجعت الاحتفالات الجماعية وأساليب الختان القديمة حتى غدت جزءًا من الذاكرة الاجتماعية. وعادة الختان مثال على التحول الذي أصاب كثيرًا من العادات في تهامة والسراة. ومن ثم فإن دراستها ينبغي أن تربط بين الموروث الشعبي والتطور الصحي والتعليمي، وأن تقارن بين القرية والمدينة وبين المراحل الزمنية المختلفة، من غير تهويل أو انتقاص من الأجيال التي مارستها وفق معارف عصرها وظروفه.
 
 ويمثل الموت وما يحيط به من تغسيل وتكفين وصلاة ودفن وعزاء جانبًا مهمًا من التاريخ الاجتماعي. وقد تشابهت الأصول العامة لهذه الممارسات في تهامة والسراة مع سائر بلاد الجزيرة العربية لارتباطها بأحكام الشريعة الإسلامية، مع وجود اختلافات محلية في ألفاظ التعزية ومدة العزاء وطريقة استقبال المعزين وإعداد الطعام والعناية بالمقابر.وقد تعرضت البلاد في القرون الماضية المتأخرة لأحداث سياسية وعسكرية، كما عانى الناس الفقر والجوع والأوبئة وضعف الخدمات الصحية وفقدان الأمن في بعض المراحل، فارتفعت الوفيات لأسباب متعددة. وكان السكان يتعاونون عند مرض الإنسان، فيتناوب أفراد أسرته وجيرانه على خدمته، فإذا توفي تولوا تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
 
ولم يكن المجتمع التهامي والسروي متجانسًا في أصوله وعاداته؛ فقد عاش فيه السكان العرب إلى جانب جماعات من أصول عثمانية وأفريقية وغيرها، ولا سيما في المدن والسواحل. وحملت هذه الجماعات بعض تقاليدها، ثم أثرت وتأثرت بالبيئة الاجتماعية المحيطة، فظهرت أوجه تشابه واختلاف تستحق الدراسة من خلال الوثائق والروايات والمقابر القديمة.وقد شاهدت مقابر كثيرة متفاوتة في مساحاتها ومواضعها والعناية بها. وكان لكل قرية أو عشيرة مقبرة، وربما خصصت بعض الأسر مقابر لأفرادها، في حين اندثرت مقابر أخرى أو جهلت مواضعها. وقد اعتنت الدولة السعودية الحديثة بتسوير عدد كبير من المقابر وتنظيمها، ثم خصصت المدن والمحافظات مقابر عامة تتوافر فيها طرق الوصول والخدمات اللازمة.
 
وكان أهل القرية يجتمعون قديمًا في بيت الميت أيامًا طويلة، وقد يذبح أهل الميت من مواشيهم ويقدمون الطعام للحاضرين، مما يزيد العبء عليهم. ثم أسهم العلماء والدعاة والجهات الرسمية في الحد من هذه الممارسة، وأصبح الأقارب والجيران هم الذين يهيئون الطعام لأهل الميت. كما استقر العزاء في الغالب على ثلاثة أيام، وحددت بعض القبائل أوقاتًا معينة لاستقبال المعزين من بعد الظهر أو العصر إلى المغرب.
 
وتختلف طريقة التعزية بين نواحي تهامة والسراة؛ ففي بعض المواضع يسلم المعزي ويدعو للميت ويصافح أقاربه ثم يغادر، وفي مواضع أخرى يجلس المعزون قليلًا، ويبينون سبب قدومهم، ثم يدعون للميت وينصرفون. وللنساء مجالس تعزية خاصة في المنزل أو في مكان مخصص. وترافق هذه الممارسات عبارات ومصطلحات محلية، معظمها دعاء للمتوفى ومواساة لأسرته، وهي مادة لغوية واجتماعية جديرة بالجمع والدراسة .
 
وتكشف بعض الوثائق عن صور من الإشراف الإداري على الوفيات في مدن مثل أبها والطائف والقنفذة خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، بينما كانت القرى والبوادي تتولى شؤون موتاها من غير تسجيل منتظم. ثم تطورت الإجراءات في النصف الثاني من القرن نفسه ، ثم خلال هذا القرن (١٥هـ / ٢٠ – ٢١م)، وأصبح إصدار شهادة الوفاة وتسجيل المتوفى من اختصاص جهات صحية ومدنية رسمية.وفي العقود الأخيرة تحسنت خدمات الجنائز تحسنًا كبيرًا. فإذا وقعت الوفاة في المستشفى صدر التقرير الطبي واتخذت إجراءات التجهيز والدفن، وإذا كانت الوفاة غامضة تولت الجهات المختصة فحص أسبابها.
 
كما انتشرت سيارات الإسعاف والهلال الأحمر، وأقيمت مغاسل للموتى في جوامع كثيرة، وجهزت بالأكفان والحنوط وأدوات التغسيل وسيارات النقل، وأسهم فاعلو الخير في تمويلها وتشغيلها.وأيضاً أنشئ في مدن ومحافظات عديدة من أرض تهامة والسراة جمعيات متخصصة في إكرام الموتى، أو أدرجت الجمعيات الخيرية هذه الخدمة ضمن أعمالها. وهي تتولى نقل المتوفى وتجهيزه ومساندة أسرته حتى الدفن، ويعمل فيها موظفون ومتطوعون. وقد شاهدت نماذج من هذه الخدمات في عسير والباحة ونجران وجازان والطائف والقنفذة وبيشة وخميس مشيط وأبها ومحايل عسير وبلجرشي وصبيا. ويمثل هذا التطور صورة واضحة لانتقال خدمة الجنائز من الجهد الأهلي المحدود إلى تعاون منظم بين الدولة والمجتمع والقطاع غير الربحي.
 
ثامناً:- دعوة إلى البحث والتوثيق: إن تاريخ الأسرة والقرية والرجل والمرأة والعشيرة والقبيلة، وما يرتبط بذلك من أعياد وختان ومآتم، ليس موضوعًا هامشيًا؛ فهو تاريخ الحياة اليومية التي صنعت المجتمع وواكبت تحولات الدولة. ولا تكفي فيه الإشارات المتفرقة، لأن كل جانب منه يصلح لرسائل جامعية وكتب وبحوث مستقلة، تشمل السكن والعمل والعلاقات الأسرية والهجرة والتعليم والعمران والعادات والأعراف والتحول الإداري.ومن الضروري أن تجمع هذه الدراسات بين المصادر المكتوبة والوثائق المحلية والسجلات الرسمية والرواية الشفهية والرحلات الميدانية والصور والخرائط. كما ينبغي الإسراع في مقابلة كبار السن، وحفظ ما لديهم من أخبار ومصطلحات ووثائق، قبل أن تضيع بوفاتهم أو بتلف ما في أيديهم.
 
والحقيقة لقد تغير وجه تهامة والسراة خلال العقود الأخيرة تغيرًا كبيرًا، وأصبح من واجب الجامعات والباحثين والمؤسسات الثقافية أن يوثقوا هذا التحول توثيقًا علميًا متوازنًا، يحفظ شواهد الماضي، ويفسر الحاضر، ويعين الأجيال المقبلة على معرفة تاريخ آبائها وأجدادها. وهذه خدمة علمية ووطنية جديرة بأن ينهض بها أبناء البلاد وبناتها بجد وإخلاص. 
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *