حين دخل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، لم يكن الحدث مجرد استعادة مدينة أو عودة أسرة إلى موطن حكمها؛ بل كان بداية مشروع سياسي وتاريخي أخذ يتسع على مدى العقود التالية حتى انتهى إلى توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية في كيان واحد، وإعلان المملكة العربية السعودية عام 1351هـ/1932م.
لا شك أن هناك سمات لهذه الشخصية الاستثنائية صنعت ذلك.
أولها: المبادرة وصناعة الفرصة.. ظهرت هذه السمة في شخصية الملك عبدالعزيز مبكرا، فقد عاش في شبابه تجربة خروج أسرته من الرياض واستقرارها لاحقًا في الكويت، لكن فقدان الرياض لم يتحول لديه إلى حالة انتظار طويلة، بل أصبح دافعًا للعمل والعودة. ولم تكن الظروف المحيطة بمشروعه مهيأة بصورة تضمن نجاحه؛ فالجزيرة العربية كانت ساحة لقوى محلية وإقليمية متعددة، والموارد المتاحة محدودة، والمسافات شاسعة، ووسائل الاتصال والحركة شديدة الصعوبة. ومع ذلك بدأ مشروعه من استرداد الرياض سنة 1319هـ/1902م، ثم واصل بناء قوته وتوسيع نطاق دولته. وهذا يكشف فارقًا مهمًا بين من ينتظر الظروف المناسبة ومن يصنع من الظروف المتاحة بدايةً لمشروع أكبر. فالقيادة عند ( الشاب عبدالعزيز ) لم تكن استجابة للأحداث فقط، وإنما كانت قدرة على صناعة الحدث وتوجيه مساره.
وثانيها: الغاية الكبرى قبل التفاصيل، حيث إن المبادرة وحدها لا تبني دولة، فلقد امتلك الملك عبدالعزيز تصورا يتجاوز المكاسب الآنية إلى غاية أكبر تتمثل في بناء كيان سياسي مستقر. ولهذا لم تكن علاقته بخصومه محكومة دائما بمنطق الصراع المفتوح؛ فقد أتاحت له قدرته على قراءة الأشخاص والظروف أن يستوعب قوى وشخصيات مختلفة داخل مشروعه السياسي متى أصبح ذلك ممكنا. وتكشف هذه السمة عن عقل سياسي يدرك أن الانتصار الحقيقي لا يعني بالضرورة إقصاء الخصم، وأن بناء الدولة يحتاج إلى توسيع دائرة المشاركين فيها، ومن هنا يمكن فهم جانب من قدرته على تحويل التنوع الاجتماعي والقبلي والمناطقي من واقع متفرق إلى مكونات تعمل تدريجيا داخل كيان سياسي واحد. وكان لذلك صلة مباشرة بقدرته على ترتيب الأولويات؛ فالمشروع الكبير لا يحتمل استنزاف موارده المحدودة في قضايا جانبية. ولذلك تتابعت خطوات التوحيد والبناء في مسار امتد من استرداد الرياض إلى توحيد مناطق البلاد، ثم إعلان المملكة العربية السعودية.
ثالثها: أنه جعل الإنسان في قلب المعادلة، وكان هذا البعد الأكثر عمقا في تجربته، فيظهر في إدراكه أن الدولة لا تُبنى بالجغرافيا وحدها؛ بل بالإنسان الذي يعيش فوق هذه الجغرافيا. ولهذا كان الأمن والاستقرار والتعليم والقضاء وتنظيم شؤون المجتمع أجزاء مترابطة من عملية بناء الدولة، لا ملفات منفصلة عنها. ويبرز مشروع توطين البادية وإنشاء الهِجَر مثالا مهما على هذا التحول الاجتماعي؛ إذ أسهم في استقرار جماعات من البادية، ونشوء تجمعات سكانية جديدة، وانتقال قطاعات منها إلى أنماط أكثر استقرارا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وتشير المصادر السعودية إلى أن عدد الهجر التي أُنشئت في عهد الملك عبدالعزيز تجاوز المئتين هجرة، وتتجاوز دلالة هذا المشروع مجرد الانتقال من الترحال إلى الاستقرار؛ فالمجتمع المستقر أكثر قدرة على تلقي التعليم، وممارسة النشاط الاقتصادي المنتظم، والاستفادة من الخدمات، والاندماج في مؤسسات الدولة الناشئة.وهكذا يتضح أن بناء الدولة عند الملك عبدالعزيز لم يكن توسعا جغرافيا فحسب، وإنما كان بالتوازي معه إعادة تنظيم للمجال السياسي والاجتماعي.
وكان نقل التعليم من المعرفة التقليدية إلى المؤسسة التعليمية نموذجا واضحا لفهم انتقال مشروع الملك عبدالعزيز من التوحيد إلى البناء المؤسسي، فبعد ضم الحجاز اتجه الاهتمام إلى تنظيم التعليم والإشراف عليه، وعُقدت لقاءات مع العلماء والمهتمين بالتعليم، ثم أُنشئت مديرية المعارف العامة سنة 1344هـ/1926م، لتشكل خطوة مؤسسية مبكرة في تنظيم التعليم وتوسيعه، ثم تطورت مسؤولياتها، واتسع نطاق المدارس، ونُظمت المناهج، وبدأ الابتعاث إلى الخارج، وصولا إلى نشوء مؤسسات للتعليم العالي في أواخر عهده رحمه الله.
وهذه المسيرة تحمل دلالة تتجاوز تاريخ التعليم نفسه؛ فهي تكشف عن انتقال الدولة من معالجة الحاجات المباشرة إلى الاستثمار في الإنسان بوصفه أساسا لاستمرارها وتطورها؛ فالقائد الذي انشغل سنوات طويلة بتوحيد البلاد لم يرَ أن انتهاء الصراع العسكري يمثل نهاية المشروع، بل أدرك أن الدولة بعد أن تحقق الأمن تحتاج إلى المدرسة، والمعلم، والنظام، والمؤسسة.
رابعها: قدرة الملك عبدالعزيز على التغيير ومواكبة المرحلة، وهذه من السمات الجديرة بالتأمل في شخصية الملك عبدالعزيز ، والتي تظهر في المرونة في مواقفه، وفي قدرته على تطوير أدواته عند تغير الظروف، فالأداة التي تصلح في مرحلة استرداد الرياض ليست بالضرورة الأداة التي تدير دولة واسعة، وأساليب التعامل مع القوى أثناء التوحيد ليست هي نفسها الأدوات المطلوبة لبناء الأجهزة الحكومية وتنظيم التعليم والقضاء والأمن والعلاقات الخارجية، ولهذا تكمن إحدى خصائص تجربته في المرونة في الوسيلة مع الثبات على المباديء والتمسك بالغاية؛ فقد استفاد من الخبرات المتاحة، واستحدث تنظيمات ومؤسسات جديدة، وتعامل مع التحولات التقنية والإدارية والسياسية بما يخدم بناء الدولة. ومن هنا فإن وصفه بالقائد المؤسس لا يرتبط فقط بقدرته على جمع أجزاء البلاد، وإنما بقدرته كذلك على الانتقال من عقلية التوحيد إلى عقلية الدولة.


التعليقات