في كل عام يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية حاملا معه ذاكرة وطن، وحكاية شعب، ومسيرة قائد استطاع أن يحول تفرّق الصفوف إلى وحدة، والخوف إلى أمن، والتشتت إلى دولة شامخة، وأن يؤسس كيانا أصبح اليوم حاضرا بين دول العالم بثقله ومكانته.
إن الحديث عن اليوم الوطني ليس حديثا عن مناسبة عابرة أو ذكرى تُستعاد في يوم واحد، وإنما هو استحضار لقصة وطن بدأت فصولها مع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – الذي حمل مشروعا كبيرا، وآمن بأن هذه الأرض قادرة على أن تكون وطنا واحدا يجمع أبناءها تحت راية واحدة.
من شتات المناطق إلى وحدة الوطن.. كانت رحلة التوحيد طويلة وشاقة، ولم تكن طريقا مفروشا بالسهولة، فقد واجه الملك عبدالعزيز ظروفا سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، وخاض مع رجاله مواقف ومعارك ومحطات متعددة حتى تمكن من توحيد أجزاء واسعة من الجزيرة العربية تحت راية واحدة.
وكان استرداد الرياض نقطة تحول تاريخية في هذه المسيرة، فمنها انطلقت مرحلة جديدة من مشروع التوحيد، وتتابعت بعدها خطوات بناء الدولة وترسيخ الأمن وتوحيد المناطق حتى صدر في عام 1932م الأمر الملكي بتوحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية.
وهنا تكمن عظمة المناسبة، فالوطن الذي نعيش أمنه واستقراره اليوم لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة جهود طويلة، وتضحيات كبيرة، وإرادة سياسية وعسكرية واجتماعية استطاعت أن تجمع الشتات وتصنع كيانا موحدا.
الملك عبدالعزيز .. قائد مشروع لا مجرد صانع انتصار.. لم يكن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ينظر الى التوحيد باعتباره انتصارا عسكريا فحسب، بل كان يدرك أن بناء الدولة يبدأ بعد انتهاء المعارك، وأن المحافظة على الوحدة تحتاج الى إقامة الأمن، وتنظيم شؤون الناس، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتوفير مقومات الحياة.
ومن هنا بدأت المملكة مرحلة جديدة من البناء، وانتقلت من مرحلة توحيد الأرض الى مرحلة بناء الإنسان والدولة.
وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها طويلا، فالقادة قد يحققون انتصارا في معركة، لكن القائد التاريخي هو من يستطيع أن يحول الانتصار الى مشروع دولة، وأن يجعل الوحدة واقعا مستداما للأجيال.
مواقف عظيمة صنعت تاريخا عظيما
عندما نستعيد مواقف الملك عبدالعزيز فإننا لا نستعيد أسماء المعارك والأحداث فقط، وإنما نستعيد قيما رافقت رحلة التوحيد: الصبر، والشجاعة، والحكمة، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الصعبة، والإصرار على تحقيق الهدف.
لقد كانت الظروف قاسية، والمسافات شاسعة، والإمكانات محدودة مقارنة بما تملكه الدول اليوم، ومع ذلك استطاع الملك عبدالعزيز ورجاله أن يضعوا الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية الحديثة.
ولذلك فإن اليوم الوطني يمثل فرصة للأجيال الجديدة كي تعرف أن ما تنعم به المملكة من أمن واستقرار وتنمية لم يكن وليد اللحظة، وإنما هو امتداد لمسيرة طويلة من العمل والتضحيات والبناء.
من عهد المؤسس إلى دولة المستقبل
رحل الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وبقيت الدولة التي أسسها، وتعاقب أبناؤه الملوك على قيادة مسيرة البناء والتنمية حتى وصلت المملكة اليوم الى مرحلة مختلفة تماما من تاريخها، وهي مرحلة تتسارع فيها التنمية، وتتوسع فيها المشاريع، وتتغير فيها ملامح الاقتصاد والمجتمع في ظل رؤية المملكة 2030.
واذا كان الملك عبدالعزيز قد وحّد الأرض والإنسان تحت راية واحدة، فإن مسؤولية أبناء الوطن اليوم هي المحافظة على هذه الوحدة، وتعزيز مكتسباتها، والمشاركة في بناء مستقبلها.
فالوطن لا يُقاس فقط بما نملكه من مدن ومشروعات واقتصاد، بل بما نحمله من شعور بالانتماء، وما نمارسه من مسؤولية، وما نقدمه من عمل يحفظ للوطن مكانته.
اليوم الوطني.. مسؤولية قبل أن يكون احتفالا
إن الاحتفال باليوم الوطني جميل، والأجمل أن يتحول هذا الاحتفال إلى وعي دائم بقيمة الوطن، فحب الوطن ليس كلمات تُقال، ولا أعلاما تُرفع في مناسبة ثم تُطوى، وإنما هو إخلاص في العمل، واحترام للأنظمة، ومحافظة على الممتلكات العامة، وحرص على أمن المجتمع، وإتقان للمسؤولية، وتربية للأبناء على معرفة تاريخ وطنهم والاعتزاز به.
وكل مواطن يستطيع أن يكون شريكا في استمرار قصة النجاح، كلٌّ في موقعه ومجاله.
خاتمة: في اليوم الوطني نقف أمام تاريخ طويل لا نستطيع اختصاره في يوم واحد، نتذكر الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ورجاله الذين خاضوا رحلة شاقة من أجل توحيد هذه البلاد، ونستحضر قيمة الأرض التي اجتمع عليها أبناء الوطن تحت راية التوحيد.
لقد كانت البداية رحلة توحيد، ثم تحولت الى رحلة بناء، ثم أصبحت اليوم مشروعا وطنيا واسعا للمستقبل.
ومن حق هذا الوطن علينا أن نعرف تاريخه، وأن نقدر تضحيات مؤسسيه، وأن نحافظ على وحدته ومكتسباته، وأن نعمل من أجل مستقبله.
رحم الله الملك عبدالعزيز ورجاله، وحفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها ووحدتها، وحفظ الله ووفق خادم الحرمين الشريفين وولي عهده محمد بن سلمان والشعب السعودي لكل ما فيه خير الوطن وازدهاره.
قبل الختام : اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه.

التعليقات
تعليق واحد على "يوم الوطن .. حكاية مجد بدأت بالتوحيد – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري"
فايز سالم سعد ال زاحم
.
مقال رائع أبا عبدالله يعبر عن الإشارة إلى هذا اليوم الوطني وما يحمله من وحدة ولحمة وطنية أدامها الله وما تمخضت عنه من بناء كيان عظيم أصبح في مصاف الدول المتقدمة دام عزك ياوطن