لقد أحببتُ أن أخوضَ في بعضِ مفاصلِ هذه السيرةِ بشكلٍ يسير؛ إذ إنَّ تأمُّلَ هذا التاريخِ يعيدُنا إلى تلك السنواتِ الأحدَ عشرةَ العجافِ التي فصلتْ بين سقوطِ الدولةِ السعوديَّةِ الثانيةِ ونهوضِ الثالثة. ففي تلك البطحاءِ القاسيةِ وُلِدَتِ العبقريَّةُ من رحمِ المعاناة. وحين غادرَ الفتى ذو الخمسةَ عشرَ ربيعًا الرياضَ مجبرًا، لم يلتفتْ خلفَه ليتحسَّرَ على المدينةِ المسلوبة، بل كان يحملُ في وجدانِه إيمانًا لا يتزلزل، ويقينَ الصادقين الذي تجلَّى له في رؤيا مبكرةٍ رآها في منامِه؛ حين رأى نفسَه يطاردُ ابنَ رشيد حتى لحقَ به وانتزعَ من يدِه الفانوس، وفرَّ ابنُ رشيدٍ هاربًا. فكانت تلك الرؤيا بمثابةِ بشارةٍ سماويَّةٍ بأنَّ مُلكَ آبائِه سيعودُ على يديه، وأنَّ ظلامَ الشتاتِ سينقشع.
ولم تكن تلك الملحمةُ لتكتملَ لولا أرواحٌ طاهرةٌ أحاطتْ به؛ فكانت أختُه الأميرةُ نورة بنت عبد الرحمن – صاحبةُ العقلِ الراجح – بمثابةِ الوقودِ لنفسِه الأبيَّة، تشحذُ همَّتَه كلَّما التفَّتِ الدنيا حولَه. وقد وصفَها من عرفَها بأنَّها تحملُ عقلَ أربعين رجلًا. وكان ينتخي بها كثيرا ( وانا اخو نوره ) وفي الكويتِ كان والدُه ينهاه كثيرًا عن الذهابِ إلى الرياض، ففرشَ الملكُ عبدُ العزيز عباءتَه وقعدَ عليها وقال: «إمَّا أن أستعيدَ الرياضَ أو تُقطَعَ رأسي هنا وأستريح». وفي واحةِ يبرين، الواحةِ القابعةِ جنوبَ شرقِ الرياض، تجلَّى عنادُ الأبطال حين أرسلَ إليه والدُه الإمامُ عبدُ الرحمن يحثُّه على العودةِ إلى الكويت حرصًا على سلامتِه، فأبى عبدُ العزيز إلَّا المضيَّ قدمًا، مرسلًا ردَّه التاريخي: «موعدُنا إن شاء الله في الرياض». وقد كان.
ولأنَّ العظمةَ لا تنفصلُ عن الإنسانيَّة، فقد توَّجَ الملكُ عبدُ العزيز انتصاراتِه بأسمى قيمِ الوفاءِ والبرّ؛ فكان انحناؤُه وتقبيلُه قدمَ والدتِه الأميرةِ سارة بنت أحمد بن محمد السديري ملمحًا من طهرِ نفسِه وتديُّنِه ومعرفتِه لأمِّه حقَّها كلَّ صباح. فقد عاشتْ معه مرارةَ اللجوء، فكان برُّه بها بهمةٍ وفرحٍ وتوقُّدٍ عند التمكين. وقد حزنَ عليها جدًّا عند وفاتِها قائلًا: كنتُ أجدُ النصرَ والتوفيقَ بدعواتِها. وبلغَ البرُّ منتهاه حين حملَ والدَه الإمامَ عبدالرحمن على كتفيه يطوفُ به حولَ الكعبةِ المشرَّفة في صورةٍ خلَّدَها التاريخُ وشهدَ عليها المعاصرون.
ولم يكن هذا القائدُ العظيمُ ليستمدَّ قوَّتَه قبلَ كلِّ ذلك إلَّا من طولِ المكوثِ على سجادةِ صلاتِه؛ فقد رُوي عن بعضِ حرَّاسِه أنَّه صاحبَه في تسعِ غزوات، وكان يشاهدُ الإمامَ يصلِّي في آخرِ الليل بعيدًا عن المخيم إحدى عشرةَ ركعة، ثم يدعو اللهَ تضرُّعًا وابتهالًا قائلًا: «يا الله يا الله يا الله، إن كان فيَّ وفي ذرِّيَّتي عزٌّ للإسلامِ والمسلمين فأعزَّنا، وإن كان فيه ذلٌّ للإسلامِ والمسلمين فلا تمكِّنْ لنا».
فكانت له الإجابة؛ فالصدقُ مع الله يفلقُ الصخرَ ويفجِّرُ ينابيعَ الأرض، ليس بالماءِ فحسب، بل حتَّى بالزيتِ والغاز الذي أضاءَ العالمَ وحرَّكَ عجلاتِ المصانع. فجاءته الإجابةُ تمكينًا في الأرض، وتنزُّلاتٍ من التوفيق صبغتْ مقولاتِه الرنَّانةَ التي أصبحتْ مناهجَ تُدرَّس، مثل قولِه رحمه الله: «الإنسانُ يقومُ على ثلاثِ فضائل: الدينِ والشرفِ والمروءة، وإذا ذهبتْ واحدةٌ من هذه سلبتْه معنى الإنسانيَّة».شخصيةً يجب أن تنمذج بطريقة معاصرة…!!
وعلى ذاتِ النهجِ الربَّانيِّ والصرامةِ البدويَّة، التفتَ عبدُ العزيز ليربِّيَ أبناءَه، فصنعَ منهم رجالَ دولةٍ من طرازِه الفريد. لم يتركْهم لرفاهيةِ القصور، بل شدَّدَ عليهم في الصلاةِ تعظيمًا وإلزامًا، فكان يحاسبُ من يتخلَّفُ عنها حسابًا عسيرًا، جاعلًا من تقوى الله خطوتَهم الأولى. وربَّاهم على حياةِ الخشونةِ والصلابة؛ فكان يأمرُهم بممارسةِ الفروسيَّة، وتحمُّلِ مشاقِّ الصحراء، والمشيِ حفاةً في أوقاتٍ محدَّدة لئلَّا تذيبَهم النعمة، قائلًا لهم: «اخشوشنوا فإنَّ النعمَ لا تدوم».
ومن هذا المنطلقِ الوعر أعدَّهم للسياسةِ والقيادةِ مبكِّرًا؛ فكان يفرضُ عليهم حضورَ مجلسِه اليومي، ويقحمُهم في كواليسِ إدارةِ الحكم، ويستصحبُهم في فتوحاتِه ومعاركِه ليتعلَّموا فنونَ الحربِ والدبلوماسيَّة من الواقعِ الحيّ، فخرجوا من عباءتِه ملوكًا وقادةً يحملون عبءَ الأمَّة. كان أمَّةً في رجل.
ولا يزولُ من ناظري وناظرِ التاريخِ ذلك المنظرُ المهيبُ المتوقِّدُ بالبشرِ والفرح؛ وهو يُقبلُ بامتلاءِ قامتِه ووعيِ قراءتِه للمستقبل، ليحرِّكَ بيدِه دفَّةَ مكينةِ استخراجِ النفط من «بئر الدمام رقم 7»، يباركُها ويطلقُ منها شريانَ الرخاءِ لأمَّتِه. وهي ذاتُها القوَّةُ السياسيَّةُ الهائلةُ التي تجلَّتْ في موقفِه التاريخي أمامَ رئيسِ الولاياتِ المتَّحدةِ الأمريكيَّة فرانكلين روزفلت على متنِ المدمرةِ «يو إس إس كوينسي» عام 1945م؛ حيث فرضَ هيبتَه العربيَّةَ الأصيلة، وقال بخصوصِ قضيَّةِ فلسطين: «ما الضررُ الذي ألحقَه العربُ بيهودِ أوروبا؟ دعِ الألمانَ يدفعون الثمن»، مشيرًا له إلى أُسِّ المشكلة.
لقد كان عبدُ العزيز بحقٍّ الملكَ المعجزة؛ رجلٌ جاء في زمنِ الجهلِ والفقرِ والتناحر، فصنعَ المستحيلَ بقلبٍ مؤمنٍ وعزيمةٍ لا تلين. لم يؤسِّسْ مجرَّدَ دولةٍ عاديَّة، بل أسَّسَ دولةً عظمى وحضارةً لم تُسبَقْ في تاريخِ العربِ الحديث، محوِّلًا شتاتَ القبائلِ إلى وطنٍ شامخ، ومنارةٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ تقودُ العالم. ليبقى اسمُه محفورًا في ضميرِ شعبِه كواحدٍ من أعظمِ عباقرةِ التاريخ.
وما كان هذا البناءُ الشامخُ ليمضيَ لولا تلك العقيدةُ الراسخةُ التي لخَّصَها بنفسِه في مقولتِه العظيمةِ الموثَّقةِ والموجَّهةِ لأبناءِ شعبِه حين قال: «لقد ملَكْتُ هذه البلادَ التي هي تحتَ سلطتي بالله ثمَّ بالشيمةِ العربيَّة، وكلُّ فردٍ من شعبي هو جنديٌّ وشرطيّ، وأنا أسيرُ وإيَّاهم كفردٍ واحد، لا أفضِّلُ نفسي عليهم، ولا أتَّبعُ في حكمِهم غيرَ ما هو صالحٌ لهم حسبما جاء في كتابِ الله وسنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم».
وماتَ الملكُ ولم تمتِ السيرةُ الملهمة… تُوفِّي الملكُ المؤسِّس عبدُ العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بعد نحو ثمانين عامًا حافلةً بالأحداث؛ حيث عاش طفولتَه في حكمِ الدولةِ السعوديَّةِ الثانية وشهد انتهاءَ حكمِها في الرياض، وتنقَّل في صباه بعيدًا عن قاعدةِ أسرتِه، حتَّى تكوَّنتْ شخصيتُه القياديَّةُ التي انطلقَ بها لتأسيسِ الدولةِ السعوديَّةِ الحديثة.
فقضى اثنتين وثلاثين سنةً يوحِّدُ أطرافَها، وامتدَّ حكمُه لها أربعًا وخمسين سنة. وكانت وفاتُه في الثاني من ربيعٍ الأوَّل سنة 1373هـ بمدينةِ الطائف، ونُقلَ جثمانُه إلى مدينةِ الرياض ليُدفَنَ في مقبرةِ العود على سنَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. وتولَّى الحكمَ بعد وفاتِه وليُّ العهدِ آنذاك نجلُه الملكُ سعود بن عبد العزيز.رحمهم الله جميعا.
ثم يقولُ البدرُ عن جدِّه: حدثينا
يا روابي نجد
يا جبالَها السراة
يا ينابيعَ الحسا
جدِّدي فينا الحياة
حدثينا عن أبي تركي العظيم
حدثينا
عن أبينا الفارسِ الشهمِ الكريم
حدثينا
عن جهادِ جدودِنا
اللي خلَّوا حدودَنا
من بحرِها لبحر
ديرتي كلُّ فخر
إنَّ زحمةَ الأفكارِ والبهجةَ بالإنجازِ العظيمِ لهذه البقعةِ العظيمةِ التي همَّشَها التاريخُ عبر العصور لجديرةٌ بأن نغنِّيَ لليومِ الوطني، ونُريَ عدوَّنا في كلِّ مكان أنَّ هذه البلادَ ستعيدُ التاريخَ إلى مكانِه الصحيح – بحولِ الله – وفيه نكثرُ من الترحُّمِ على أبينا المعجزة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي نرفلُ جميعُنا في تعبِه وسهرِه وبركةِ دعائِه وصدقِه وإخلاصِه.
كلُّ عامٍ وأنتِ يا السعوديَّة بخير ..
ودمتم بخير

التعليقات
تعليق واحد على "في حضرةِ الملكِ المعجزة.. صناعةُ مجدٍ واستلهامُ أُمَّة – بقلم الكاتبة أ. قبلة العمري"
فلاح الطحان
.
من حكمة الله تعالى في عباده أنْ جعل بعض الرجال تُكتب سيرتهم بالتاريخ، وبعضهم يجعل التاريخ نفسه يكتب سيرته.
وأنتِ أيتها القديرة، لم تكتبي عن القائد المؤسس عبدالعزيز بقدر ما جعلت منّا نمشي في أثره من الرياض التي غابت إلى الرياض التي عادت، ومن صحراء لم تكن تملك إلا الصبر، إلى دولة صار لها في العالم صوت وموقف.
الجميل في المقال أنكِ لم تجعلي البطولة سيفًا في يد رجل، بل جعلتِ لها جذورًا أعمق :
أُم ودعاء، وأبّ وبرّ، وأخت تشحذ الهمّة، وسجادة في آخر الليل، ورجل يرى المُلكَ تكليف لا امتياز.
ولعل أجمل ما في السيرة أن المؤسس عبدالعزيز لم يبن وطن من الأرض وحدها؛ بل بنى الإنسان الذي يستطيع أن يحمل وطن.
لهذا تبدو بعض السير عصيّة على الاختصار؛ لأنكِ كلما أغلقتِ باب من أبوابها، فتح لكِ التاريخ باب آخر.
نصّكِ لم يكن استعادة لرجل مضى؛ كان استعادة للمعنى الذي جعل رجل واحد يرى في الشتات وطن لم يولد بعد.
رحم الله المؤسس القائد عبدالعزيز، لأنه لم يترك خلفه دولة فقط، بل ترك سؤال كبير لكل جيل: ماذا يفعل الإيمان حين يجد قلب لا يعرف المستحيل؟
شكرًا للمجلّة، وللقائمين عليها، ولكِ أيتها الكاتبة القديرة؛ لأنكِ لم تتركي لنا سيرة نقرأها ثم نطوي صفحتها، بل تركتِ في نفوسنا شيئ منها، شيئ دفعنا إلى أن نعود إلى داخلنا قليلًا، ونسأل: ما الذي بقي فينا من معنى العزيمة، والوفاء، والمروءة، والإيمان حين تشتدّ الطرق.