الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ الموافق ٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ

كلمة بمناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن عبدالله بن جريس

كلمة بمناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن عبدالله بن جريس
حبُّ الوطن شعور فطري راسخ في النفس الإنسانية، يتصل بالأرض والذاكرة والانتماء، وبالمكان الذي نشأ فيه الإنسان وعاش بين أهله ومجتمعه. وقد حظي الوطن وحبه والحنين إليه باهتمام واسع في التراث الإنساني والعربي والإسلامي، وتناولته الأقلام في كثير من الكتب والدراسات والمقالات؛ لأن الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، وإنما هو تاريخ وهوية وذاكرة مشتركة، تتعاقب عليها الأجيال، وتختزن أخبار الآباء والأجداد، وما شهدته الأرض والإنسان من أحداث وتحولات. وإذا توقفنا مع وطننا، المملكة العربية السعودية، فإننا نقف أمام أرض ذات تاريخ ديني وسياسي وحضاري عريق.
 
ويكفي هذه البلاد شرفًا أنها تضم مكة المكرمة وبيت الله الحرام والكعبة المشرفة، وفي مكة المكرمة بدأ نزول القرآن الكريم على نبينا محمد(صلى الله عليه وسلم) ، كما تضم المدينة المنورة ومسجده الشريف وقبره( صلى الله عليه وسلم) . ومن هذه الأرض انطلقت رسالة الإسلام، وفي المدينة المنورة قامت دولة الإسلام في عهد الرسول( صلى الله عليه وسلم) ، ومنها انطلقت في عهد الخلفاء الراشدين طلائع الفتوحات الإسلامية إلى أقاليم واسعة، فظلت بلاد الحرمين الشريفين حاضرة حضورًا كبيرًا في التاريخ والمصادر العربية والإسلامية والأجنبية.
 
وفي العصر الحديث تأسست الدولة السعودية الأولى في الدرعية سنة ( ١١٣٩هـ/١٧٢٧م ) على يد الإمام محمد بن سعود، ثم قامت الدولة السعودية الثانية سنة (١٢٤٠هـ/١٨٢٤م) ، واستمرت التجربة السياسية السعودية حتى استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض سنة ( ١٣١٩هـ/١٩٠٢م) ، وبدأ مسيرة طويلة لتوحيد مناطق البلاد. وفي(١٧ جمادى الأولى ١٣٥١هـ الموافق ١٩ سبتمبر ١٩٣٢م ) صدر الأمر الملكي بتوحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية..
 
على أن يبدأ العمل بذلك يوم الخميس ( ٢١ جمادى الأولى ١٣٥١هـ الموافق ٢٣ سبتمبر ١٩٣٢م ) ، وهو اليوم الذي أصبح اليوم الوطني للمملكة.ومنذ ذلك العهد توالت مراحل البناء والتنمية، وتعاقبت الأجيال على خدمة الوطن وتطوير مؤسساته في مجالات التعليم والصحة والعمران والطرق والمواصلات والاقتصاد والأمن وغيرها، وظلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاج والمعتمرين والزوار في مقدمة المسؤوليات والأعمال التي حظيت بالعناية والاهتمام.
 
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، يحسن بنا ألا نقف عند مظاهر الفرح والاحتفاء فحسب، وإنما نجعل هذه المناسبة وقفة للتأمل في تاريخ بلادنا، وشكر الله تعالى على نعمه، واستحضار مسؤوليتنا تجاه حاضر الوطن ومستقبله.وأول ما ينبغي أن نستحضره هو الحمد لله سبحانه وتعالى وشكره على ما أنعم به على بلاد الحرمين الشريفين من الأمن والاستقرار واجتماع الكلمة وسعة الأرزاق؛ فهي نعم عظيمة لا تُعرف قيمتها حق المعرفة إلا بالتأمل في أحوال المجتمعات حين تفقدها، أو بالنظر فيما عانته أجيال سابقة في أزمنة الشدة وقلة الموارد واضطراب الأحوال. وقد جمع الله تعالى بين نعمتي الرزق والأمن في قوله سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، وقال جل وعلا في شأن الشكر: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
 
ومن حق هذه النعم علينا أن نحمد الله عليها قولًا وعملًا، وأن نحسن توظيفها فيما يعود بالخير على الدين والوطن والإنسان. وينبغي لكل واحد من أبناء المملكة العربية السعودية، رجالًا ونساءً، أن يستشعر مكانة هذه البلاد الدينية والتاريخية والحضارية، وشرف احتضانها للحرمين الشريفين، وأهمية موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وأن يدرك أن هذه المكانة تستلزم مسؤوليةً وعملًا. فحب الوطن لا يقف عند حدود المشاعر والشعارات، وإنما يظهر في صدق العمل وإتقانه، والمحافظة على مقدرات البلاد، والقيام بالواجب، واحترام النظام العام، وخدمة المجتمع، وبذل العلم والخبرة والجهد فيما يعزز وحدته واستقراره وتقدمه.
 
كما ينبغي أن ندرك أن الأوطان لا تخلو من التحديات والمخاطر ومحاولات الإضرار بأمنها أو وحدتها؛ ومن هنا تأتي أهمية الوعي والتماسك، والبعد عن أسباب الفرقة والتنازع والشائعات، وتقديم المصلحة العامة، والتثبت في القول والعمل. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
 
ومن المهم كذلك أن نستحضر أحوال بلادنا في مراحل تاريخية سابقة؛ فقد شهدت مناطق من الجزيرة العربية في أزمنة مختلفة تفرقًا سياسيًا، وصعوبة في المواصلات، وقلة في الموارد، واضطرابًا في الأمن في بعض الأزمنة والأماكن. ثم تحققت الوحدة السياسية، وتعزز الاستقرار، وتتابعت مشروعات التنمية، فتغيرت حياة الإنسان والمكان تغيرًا واسعًا. وقراءة الماضي هنا ليست لمجرد استدعاء ما كان فيه من مشقة، وإنما لمعرفة قيمة ما تحقق، والمحافظة عليه، واستخلاص العبر منه، ومواصلة البناء للأجيال القادمة.
 
ومن يقارن بين ما ترويه المصادر والوثائق وذاكرة الآباء والأجداد عن أحوال المعيشة والتعليم والصحة والطرق والمواصلات في الماضي، وبين ما أصبحت عليه البلاد اليوم، يدرك حجم التحول الذي جرى خلال العقود الماضية. غير أن الاعتزاز بالمنجز لا يعني أن العمل قد اكتمل؛ بل إن الوفاء للوطن يقتضي مواصلة التطوير، ومعالجة أوجه القصور، وتشجيع العلم والبحث والإنتاج، وحفظ التراث والذاكرة التاريخية، والانتقال دائمًا من الحسن إلى الأحسن.وفي جميع ذلك يبقى تعلق المسلم بالله تعالى، والصدق والإخلاص والعدل والعمل الصالح، من الأصول التي ينبغي أن توجه القول والعمل؛ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
 
وفي ختام هذه الكلمة، نحمد الله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا على نعمه الظاهرة والباطنة، وقد اقتربت بلادنا من إكمال قرن على إعلان توحيدها باسم المملكة العربية السعودية سنة (١٣٥١هـ / ١٩٣٢م ) ، وهي مسيرة حافلة بالأحداث والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعمرانية، وجديرة بالدرس والتوثيق والمقارنة؛ لتعرف الأجيال كيف كانت أحوال هذه البلاد، وكيف تطورت، وما بذله السابقون في سبيل بنائها، وما يقع على الأجيال الحاضرة والقادمة من مسؤولية في صيانة مكتسباتها ومواصلة بنائها.
 
ونسأل الله جل وعلا أن يحفظ المملكة العربية السعودية ( حكومة وشعباً) ، وأن يديم عليها الأمن والإيمان والاستقرار والرخاء، وأن يوفق أبناءها وبناتها وقادتها لكل ما فيه الخير والصلاح، وأن يرزق الجميع صدق القول والعمل والإخلاص في السر والعلن، وأن يحفظ الحرمين الشريفين وقاصديهما، وأن يبارك في جهود كل مخلص يعمل لخير هذه البلاد وأهلها، وأن يصرف عنها الفتن والشرور والمكائد ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل مستقبلها خيرًا ووحدةً وعزةً ونماءً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه

أ . د . غيثان بن علي بن عبدالله بن جريس

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *