لم تعد ظاهرة الإسراف في بعض الولائم والمناسبات مجرد تصرف فردي يمكن تجاوزه بالصمت أو التغاضي، بل أصبحت في بعض صورها مشهدا مؤلما من مشاهد المباهاة بالنعمة وإهدارها، موائد تمتد بما يفوق حاجة الحاضرين، وأصناف تتعدد بلا حساب، ومبالغ ضخمة تُدفع لإرضاء أعين الناس وكلامهم، ثم ينتهي كل ذلك بكميات هائلة من الطعام في حاويات النفايات!
هنا يجب أن نتوقف.
هل هذا هو الشكر الحقيقي للنعمة؟
وهل أصبح معيار الكرم أن نملأ الموائد بما لا يستطيع المدعوون تناوله؟ وهل أصبح التنافس بين الناس قائما على من يقيم الوليمة الأكبر والأكثر تكلفة؟ وأين يذهب عقل الإنسان حين ينفق مبالغ طائلة في ساعات معدودة، فقط حتى لا يقول أحد: إن فلانا لم يكرم ضيوفه؟
إن الكرم قيمة عظيمة، لكن الكرم شيء والإسراف شيء آخر تماما.
عندما تتحول الوليمة الى سباق
المشكلة ليست في أن يقيم الإنسان وليمة، ولا في أن يكرم ضيوفه، ولا في أن يفرح بمناسبة من مناسباته. المشكلة تبدأ عندما تتحول الوليمة الى سباق اجتماعي مفتوح.
هذا يتفاخر بعدد الذبائح، وذاك بعدد الأطباق، وثالث يريد أن تكون وليمته حديث المجالس، وكأن قيمة المناسبة تقاس بما أُنفق عليها لا بما تحمله من فرحة وصلة رحم ومودة بين الناس.
وقد يدفع هذا السلوك بعض الأسر الى الاستدانة وتحمل أعباء مالية كبيرة من أجل ساعات محدودة، ثم تبقى آثارها شهورا وربما سنوات.
أي منطق هذا؟ وأي عقل يقبل أن تتحول مناسبة الفرح الى بداية للديون؟
النعمة ليست مُلكا لنا وحدنا
حين يوضع الطعام أمام الإنسان فهو نعمة، والنعمة مسؤولية. وما يُرمى منها بلا حاجة هو هدر لشيء لم يُمنح لنا لكي نهدره.
وقد جاء النهي القرآني واضحا:
(ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، فالإسراف ليس وجاهة، والتبذير ليس كرما، وكثرة الطعام لا تعني علو المكانة، بل إن من المؤلم أن نرى طعاما صالحا للأكل يُرمى في الوقت الذي يوجد فيه من يبحث عن لقمة تسد حاجته.
وهنا لا بد من سؤال الضمير قبل سؤال الأنظمة:
ماذا فعلنا بنعمة الله؟
لا بد من وقفة رسمية ومجتمعية، إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تبقى مجرد مواعظ تُقال ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، نحن بحاجة الى حراك توعوي ومجتمعي منظم، والى دور فاعل من الجهات المختصة في حدود اختصاصاتها وأنظمتها، وينبغي تشجيع أصحاب القاعات والمطاعم ومنظمي المناسبات على تقليل الهدر، وتوفير آليات واضحة للاستفادة من فائض الطعام بصورة صحية ونظامية، ودعم المبادرات التي تحفظ فائض الولائم وتوصله الى المحتاجين.
كما أن المناسبات العامة والمنظمة يمكن أن تكون مجالا لتطبيق معايير أكثر صرامة للحد من الهدر متى كان ذلك ممكنا نظاما.
فالهدف ليس التضييق على الناس في أفراحهم، ولا محاربة الكرم، وإنما محاربة الإسراف الذي تجاوز حدود المعقول.
من يوقف ثقافة “ماذا سيقول الناس؟”
ربما يكون هذا السؤال هو أصل المشكلة:
ماذا سيقول الناس؟
لقد أصبح بعض الناس يعيشون تحت ضغط نظرات الآخرين، إذا أقام وليمة كبيرة قالوا كريم، وإذا اكتفى بما يكفي قالوا قصّر! وهذه ثقافة تحتاج الى تصحيح.
يجب أن نصل الى مرحلة يصبح فيها الاعتدال محل احترام، ويصبح الحفاظ على الطعام مصدر فخر، ويصبح صاحب المناسبة الذي يكرم ضيوفه دون إسراف هو النموذج الذي يُحتذى.
فليس من المعقول أن نربي أبناءنا على المحافظة على المال والطعام، ثم نمارس أمامهم عكس ما نقول.
أين دور المجتمع؟
المسؤولية لا تقع على الجهات الحكومية وحدها، فالأسرة مسؤولة، والآباء مسؤولون، والأمهات مسؤولات، وأصحاب المناسبات مسؤولون، والمطاعم والقاعات مسؤولة، والإعلام مسؤول، وأئمة المساجد والخطباء والدعاة لهم دور مهم في التذكير بخطورة الإسراف، والمجتمع كله يستطيع أن يغير هذه الثقافة، والأهم من ذلك أن يتوقف المجتمع عن مدح المبالغة.
حين نمدح الوليمة الضخمة ونصف صاحبها بأنه “ما قصّر”، بينما ننتقد من أقام مناسبة معتدلة، فإننا نشارك في صناعة المشكلة.
فلنغير المعيار، لا نقول: كم ذبحت؟ بل نقول: كم أكرمت، ولا نقول: كم دفعت؟ بل نقول: هل حفظت النعمة؟
ولا نقول: كم طبقا وضعت؟ بل نقول: هل احتاج الناس الى كل ما وضعت؟
المال الذي يذهب في ساعات
هناك أسر قد تنفق مبالغ كبيرة على مناسبة واحدة، بينما كان يمكن توجيه جزء من هذا المال الى ما هو أنفع: مساعدة محتاج، سداد دين، إعانة أسرة، دعم طالب، أو تفريج كربة إنسان.
وهنا لا نتحدث عن منع الإنسان من الاستمتاع بماله، فذلك حقه، وإنما نتحدث عن ترشيد السلوك حين يتحول الإنفاق الى استعراض.
فالمال الذي ينفق بحكمة يبقى أثره، أما المال الذي ينفق لإرضاء كلام الناس فقد يختفي أثره بانتهاء المناسبة.
الخاتمة: فلنسترد هيبة النعمة
نحن لا نريد مجتمعا بلا أفراح، ولا نريد أن نقتل مظاهر الكرم، ولا أن نضع الناس في قالب واحد، لكننا نريد مجتمعا يعرف أين ينتهي الكرم ويبدأ الإسراف.
نريد أن تعود للنعمة حرمتها، وللطعام قيمته، وللمال مكانته، وللعقل كلمته.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن تحويل الولائم الى ساحات للمنافسة والمفاخرة، وأن ندرك أن الإنسان لا يكبر بما يضعه أمام الناس من أطباق، وإنما يكبر بما يقدمه من أخلاق ومواقف وإنسانية.
فيا من أنعم الله عليه: لا تجعل النعمة شاهدة عليك.
أكرم ضيفك، وأفرح بمناسبتك، وأنفق من مالك، ولكن لا تجعل الإسراف عنوانا لفرحك، ولا تجعل التبذير دليلا على كرمك.
وللجهات المختصة دور ينبغي أن يكون حاضرا بالتوعية والتنظيم، والحد من مظاهر الهدر وفق الأنظمة، وللمجتمع دور أكبر في تغيير ثقافة المفاخرة.
فإذا اجتمع وعي المواطن، ومسؤولية المجتمع، وحزم الجهات المختصة أمكن أن تتراجع هذه الظاهرة، أما أن نستمر في ملء الموائد ثم إفراغها في حاويات النفايات فهذه ليست رفاهية ولا كرما، هذه نعمة يجب أن تُحفظ، ومال يجب أن يُصان، وسلوك يجب أن يُراجع قبل أن يصبح الإسراف عادة، والعادة ثقافة، والثقافة عبئا على المجتمع.
قبل الختام : اللهم احفظ بلد الحرمين الشريفين قيادة وحكومة وشعبا وبرا وبحرا وفضاء من كل سوء ومكروه .


التعليقات
2 تعليقات على "الإسراف في الولائم .. حين تتحول النعمة الى مفاخرة وإهدار – بقلم الكاتب أ. صالح حمدان الشهري"
لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي. والله المستعان، ولا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا جهلاً أو عمداً
لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي. والله المستعان، ولا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا