دائماً ما ينتهي الصراع بين القرية والمدينة لصالح المدينة، فلا شيء يمكنه إيقاف ذلك السحر الرهيب الذي تبثه أضواء المدينة وصخبها وعالمها المتنوع والمختلف بالكلية عن عالم القرية الهادئ والمحدود والمنكفئ على نفسه، منذ أن ولدت وأنا أسمع بالراحلين إلى المدينة لكني لم أكن أتخيل نفسي أو أحد إخوتي الذين يكبروني واحداً منهم.
عاش أبي إلى جوار جدي حتى مات وهذا ما جعلني أعتقد أنني وإخوتي سنمضي في نفس الطريق، فالأرض وقطعان الماشية، والمراعي الوفيرة، والمكانة الاجتماعية كلها كانت تؤكد أننا سنبقى ولن يتغير شيء، لكن في مرحلة مبكرة من عمري وفي بداية السبعينات الهجرية تقريباً عاد إلى القرية أحد أولئك الذين كانوا قد ارتحلوا عنها، وهو محمد بن سعيد أبوداهش، ابن أخ والدي “رحمهما الله”
كان أبوداهش على اسمه مدهشاً في هيئته ومظهره حينما عاد، كان حديث القرية بلباسه الزاهي وثوبه الناصع البياض وبعض المال الذي عاد به ليشتري شيئاً من الأرض أو (البلاد) كما نسميها في منطقتنا ، وهنا بدأت المدينة تراود أحلامي حينها ومع هذه الاحلام العديد من التساؤلات التي تعدُني مرةً وتتوعدني مرات.
فقد كان غياب بعض الذين ارتحلوا من القرية ولم يرد بعدهم أي نبأ عنهم بمثابة الثقب الأسود المخيف الذي يبتلعُ طموحات أي حلم بالذهاب إلى المدينة، أما العائدون فقد كانوا يحركون ما تبقى في داخلنا من أوتادنا الثابتة في تراب القرية إلى الرحيل، كانت قصص القهاوي والمسافرين والمستشفيات والطرق والسيارات تقع على مخيلتي في إطار مختلف تماماً عما هو عليه في الواقع.
وإذا كان أهل الأدب يرون أن الخيال أجمل من الواقع دائماً إلا أنني أعتقد أن الواقع في تلك اللحظة لم يكن يقارب الخيال الذي كان يدور في رأسي عن المدينة بتاتاً، كان أول المهاجرين الذين التحقوا بالمدينة من بيتنا أخي سعيد – رحمه الله – ابن والدي الأكبر وعضده اليمنى بما تعنيه الكلمة، وكان لحظة رحيله مرافقاً لأغنام والدي مع أمه (عمتي) رحمها الله في (نيد) وهي منطقة عندنا شرق النماص معروفة إلى اليوم.
كان الناس يرعون فيها أغنامهم في أوقات محددة من العام، وكان سعيد قد عقد العزم على الرحيل في مطلع عام 1373هـ بعد أن ودع أمه وزوجته وأخي فايز وألقى نظرةً أخيرة على الغنم التي استرعاه عليها والدي واتجه إلى الشام ، والشام بالمناسبة في ذلك الوقت ليس الشام الذي نعرفه اليوم بل هو رمز إلى الاتجاه فكل من ذهب إلى الطائف وما قبله وما بعده فهو ذاهب إلى الشام، وكل من ذهب إلى أبها وما قبلها وما بعدها فهو ذاهب إلى اليمن.
المهم أن سعيد ذهب ليكتب في العسكرية كما يسمونها في ذلك الوقت، وكان رحيلهُ صادماً ربما بالنسبة لي أكثر حتى من والدي الذي لم يستأذنه، فما زلت وأنا أكتب هذه الأسطر أتذكر كيف ثار في داخلي شعور غريب تجاهه، لا أدري هل هو شعور بالخوف أو الحزن عليه حينها لكنني كنت متأثراً لرحيله جداً، أما أبي فقد دعى له أمامنا وكتم خيبة الأمل التي كانت تشتعل في صدره ولم يبدها لأحد.
ولم يزد على أن قام بنقل غنمه من (نيد) إلى وادي (آل هلالة) دون أن يفصح لأحد عن السبب الحقيقي الذي من أجله نقل الغنم وكأنه حدث طبيعي تماماً، ذهب سعيد وبدأت أنباءه تصل إلينا بين كل فترة وأخرى، أما أبي الذي أبدى عدم اهتمام برحيله فقد استخفه القلق والشوق بعد عام أو أقل من رحيله ليذهب إلى مكة في زيارة مفتعلة ظاهرها شيء وباطنها الاطمئنان على سعيد وأحواله.
لكنه بعدما عاد لم يبد لنا أي لين في مسألة الرحيل بل كان متمسكاً أكثر ببقائنا جميعاً من حوله أكثر من أي وقت مضى، ومرت الأيام وكان الدور هذه المرة على أخي عوض الذي كان يتقدُ قوةً وحيويةً وشباباً في ذلك الوقت، ولأن عوض كان يدرك موقف والدي من الرحيل فقد اختار أيضاً هو عدم المواجهة مع أبي عام 1379هـ فاختار لحظة ذهابه مع بعض أهالي المنطقة إلى الخميس ثم بعد أن باع الحب رد جمل والدي معهم واتجه إلى سعيد في مكة.
كان رحيل عوض عن والدي مقارباً للأثر من رحيل سعيد فظهر والدي أمام الأخرين وكأن الأمر تم بموافقته وأمامنا لم يزد أيضاً عن الدعاء، ولكني أدركت بعد أن تقدم بي العمر خيبة أمله في ذلك الوقت، وعرفت ماذا كان يدور في رأسه من تساؤلات وأفكار أثناء صمته الطويل في تلك الفترة.
أما أنا فقد كان والدي يعتمدُ علي في وقت مبكر فكنت مثل كاتبه المرافق والملازم له في العديد من الأمور، وكانت ثقته بي لا حدود لها فقد كنت الوحيد الذي يمتلك مفتاح خزنته التي يضع فيها أوراقه الهامة الخاصة بالتعاميم أو حفظ معاهدات الصلح بين أبناء القبيلة ونقوده المالية.
أذكر أنني لم أتجاوز العاشرة من عمري أنني التقيت عدداً من المسافرين إلى الشام أعمارهم لم تتكن تتجاوز السابعة عشرة أو الثامنة عشرة وكانوا مجهدين ومنهكين من الطريق، وعندما مروا بالقرية سألوني عن بيت يستريحون فيه ويتناولون فيه شيئاً من الميسور كما كانت عادة المارين بين القرى في ذلك الوقت فرحبت بهم وقلت على ساقتي يعني (امضوا خلفي).
وعندما وصلت عند أمي رحمها الله أعدت لهم القهوة وقدمت لهم شيئاً من الخبز والسمن وأكرمتهم ومضوا، وظلت تنتظر أبي حتى وصل لتخبره بأني قد أحضرت ضيوف معي للبيت وكان رد والدي رحمه الله حينها وتشجيعه لي كبيراً ومؤثراً في أعماقي، ومما زاد من أثر هذا الاطراء أنه لم يكن من عادةوالدي أن يمتدح أحداً منا في وجهه بل كان يكفي أن تعرف من رضاه عما صنعت ضحكةً ممزوجةً بشيء من الاعجاب ودعاءٌ بصوت لطيف مع تلك الضحكة (الله يشيّر فيك يا هذا الولد) قالها مرتين وهو يضحك تلك الضحكة التي لم تغب عني رحمه الله وهو يقصد (الله يبارك فيك).
كان أبي يراني امتداداً له في القبيلة تحديداً من سن مبكرة كما كان يرى أن أخواني الذين سبقوني امتداداً له في أشياء أخرى، ولذلك كان قرار رحيلي مختلفاً بالكلية عنهم، صحيح أنني لم أكن أدرك في ذلك الوقت كل هذه التفاصيل ولكنني أدركتها في وقت وجيز بعد رحيلي، ظلت فكرة الرحيل عن القرية تستفزني مع لحظة رحيل زملائي الذين تخرجوا معي من المدرسة، وما إن يخبوا وهج الفكرة في رأسي إلا وتظهر مرة أخرى مع رحيل أخر.
حتى أتت اللحظة التي قررت فيها العزم على الرحيل وعدم التأجيل فالعام الدراسي الجديد أصبح وشيكاً و قوافل المسافرين إذا أخطأتها في هذا الوقت من العام فقد لا يوافيك الحظ للحاق بهم إلا في العام القادم، جهزتُ حقيبة سفري إن صح لي أن أطلق عليها حقيبة سفر، وبعضاً من الملابس واستمارة التخرج من المرحلة الابتدائية وأربعين ريالاً كنت قد أخذتها من شنطة والدي.
ثم لحقت بأحد رجال جماعتنا المسافرين سعد بن حمود بن شديد _رحمه الله_ خرجت من المنزل دون أن ألفت انتباه أحد، ولكن الشنطة التي كانت بيدي لفتت انتباه أهالي القرية والذين بادروا إلى أمي يخبرونها عني، وهنا انطلقت ورائي رحمها الله وهي تنادي بأعلى صوتها وتأمرني بالعودة، ولكن هيهات فقد انطلقت لا ألوي على شيء حتى انقطع عني صوتها.
كان صوت أمي وهي تراني يرن في أذني كالصاعقة كنت أسمعها بوضوح وهي تنادي (عوّد) وتنادي ثم تنادي ثم تنادي وبعد أن غلبها اليأس كان أخر ما سمعت منها (أووه يا مشرف)، لا زمتني تلك الزفرة الحارة طيلة غيابي عنها، رافقتني في كل ليلة في الطريق إلى الشام، وعذبتني مع كل صعوبة كانت تعترضني طيلة بُعدي عنها.
المهم أنني لم أتوقف إلا في سوق الخميس بالخضراء حيث كان موقف السيارات التي تنطلق إلى الطائف، وركبت أول سيارة ظناً مني بأن مجرد الركوب يعني انطلاق السيارة، ولكني بقيت أنتظر وهنا علم بعض الجماعة ممن كانوا في السوق عني وبدأوا يحاولون ثنيي عن قراري، كانت محاولاتهم مستميتة ولكن عنادي وإصراري كان فوق الموت نفسه.
حتى أتى عبدالرحمن بن مناع من قريتي “رحمه الله” وأمسك بي وتحول الموقف من المحاولة بالتي هي أحسن إلى العودة بالقوة، ولكنني تمسكت بموقفي وترجيته وطلبته أن يتركني بكل ما أوتيت من قدرة، ولما استحالت الأمور بيني وبينه وبلغ بيني وبينه الخصام مبلغه، رق لحالي أحد الحاضرين “رحمه الله وعفى عنه” وقال له (مالك ومال الولد اتركه فليس لك عليه كلمة) ثم اشتبك معه بكلام قوي وتجمهر من حوله الناس مؤيدين له فأطلقني “رحمهم الله” جميعاً.
وفي غمرة السوق بعد أن تجاوزت هذا الموقف رأيت سعد بن حمود بن شديد”رحمه الله” والذي بعد أن يأس من عودتي إلى القرية قرر أن يتولى رعايتي في الطريق
اتجهنا إلى بيت ناصر بن دعبش في العرق والذي تناولنا فيه طعام الغداء، ثم انطلقت بنا السيارة إلى ربوع السرو حيث كان من المقرر أن نتعشا فيها في بيت (ال عابد) ونبيت فيها حتى الصباح، و في اليوم التالي واصلنا الطريق إلى قرية ال جرار وحطت القافلة في بيت بن ظفير “رحمه الله”وتغدينا عنده واسترحنا حتى بعد الظهر ثم انطلقنا إلى المحطة التالية في سبت حجاب وقضينا ليلتنا هناك.
ومن ثم انطلقنا في اليوم التالي إلى سبت العلاياوتغدينا واسترحنا هناك ثم واصلنا المسير حتى بتنا في بلاد شمران، وهنا أذكر أنني لم أشعر بالاطمئنان وعدم لحاق والدي بي إلا تلك الليلة، حيث ظل هم أن يمسك بي يلازمني طيلة اليومين الماضية، وبعد شمران أصبحت الطريق أسهل من قبل واستمرينا لا أدري أين كان غداؤنا وعشاؤنا حتى وصلنا إلى محطة مظللة قرب الطائف وهناك توقفت السيارات وبدأت مراسم الوصول.
نزل الركاب وبدأ وكأنهم يتفقدون بعضهم بعد هذا العناء، ثم عرضوا جميعاً كبارهم وصغارهم، وقد تولى عدد من المسافرين مهمة القاء القصائد التي تحرك صفوف العرضة ومع نهاية كل قصيدة يضرب السائقون على بواري السيارات في تناغم موسيقى قد اعتادوه بينهم، وبدأت لي في هذه اللحظة المدينة وهي تكشفُ عن ساقيها ووصلنا إلى الطائف أخيراً يوم الاثنين، بعد رحلة استغرقت خمسة أيام بلياليها.
كان السفر في ذلك الوقت قطعةً من العذاب بما تعنيه الكلمة، ولكن حياة المشقة التي كنا نعيشها، وسن الشباب خفف كثير من وعثاء السفر وإن لم تفت من يرانا حينها كأبة المنظر، وفور وصولنا نزلنا ضيوفاً على أحد جماعتنا وهو سعد بن سعيد العمري كما كانت الأعراف السائدة في ذلك الوقت قبل الفنادق وغيرها، والتقيت حينها بأحد من سبقوني بالرحيل من القرية سعد بن سلمان العمري وكم كانت فرحتي وفرحته بهذا اللقاء، ولا عجب فكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ.
أكرمنا مضيفنا رحمه الله ثم أكرمونا الجماعة الساكنين في الطائف على مدار اليومين أو الثلاثة التي تلي يوم وصولنا، وكأنهم يخففون عنا ما لقيناه في رحلتنا بهذا الاكرام، ثم بعدها كان لا بد لي من إكمال المسير إلى أخي سعيد في مكة.


التعليقات