الحمد لله الذي جعل في قصص الأولين عبرة لأولي الألباب، وجعل الكرم ميراث الرجال وحديث المجالس جيلاً بعد جيل. إن من جمال تراثنا في محافظة النماص تلك القصص التي لا تُروى للتسلية فحسب، بل تُروى لتربية النفوس على المروءة والشجاعة والوفاء، قصص رجال إذا وعدوا أوفوا، وإذا استجار بهم أحد أجاروه ولو كان مخطئاً، فالكرم عندهم ليس وليد لحظة، بل هو طبع أصيل يجري في عروقهم. فلنقرأها بقلوبنا قبل أعيننا، ففيها من دروس الكرم وحفظ الوجه وجبر الخواطر ما يفوق كثيراً من الكتب.
وقصتنا اليوم قصة واقعية عابرة، تروي أن شيخاً من قبيلة بمحافظة النماص قدم عزيمة لشيخ من قبيلة أخرى، وبعد موافقته قام المستضيف بالذبح والطبخ، وعند دنو الليل ذهب الجميع لصلاة المغرب، فتركوا شبلاً صغيراً في العاشرة من عمره يرعى الطبخ، إلا أن جوع ذلك الطفل لم يجعله يتمالك نفسه، فأخذ يأكل من “إلية” الخروف حتى أنهاها. طبعاً كان يقوم بعمليات استطلاع بين كل لحظة وأخرى حتى لا يقع بين أيديهم، والعقاب معروف ولا أحد يختلف عليه.
وفي طلعته الاستكشافية الأخيرة وجدهم قد اقتربوا من مكان الطبخ عائدين من الصلاة، ففر هارباً، وبعد أن تفقدوا الذبيحة في القدر وجدوها بدون (إلية).. طبعاً لم يجدوا الفتى ووجدوا أثر عمله، وغضبوا غضباً شديدًا وطلبوا المجيء به بأي وسيلة كانت لينال عقابه الرادع.. أُتي بالفتى وهو في حالة من الهلع والخوف والتوتر، وأُخبر الضيف بما حصل وأن ذبيحته أصبح ينقصها هذا الجزء المهم الذي كان يُقدم على السفرة مع بقية اللحم، وهو من عادات الكرم، وكانت في ذلك الوقت تؤكل ولها شأن عظيم عند من كان يقدر الضيف.
حاول المضيف وأهله ومن كانوا يرعون الطبخ البطش بالصبي، إلا أن الضيف جعله في وجهه وقال: لن تنالوا منه وأنا موجود، وهو في وجهي في حضوري وعند غيابي. بل وطلب من الصبي الجلوس بجانبه والأكل معه من الطعام ومن اللحم، فأكل حتى شبع، فربح بذلك اللحم والشحم في ظل حماية الضيف الكريم. ودّع الضيف مستضيفيه، وعاد الفتى إلى منزله وهو في حالة من الشبع والتخمة، ولم يأكل من اللحم والشحم منذ بداية حياته مثل تلك الليلة.
مرت الأيام وجاءت الأيام، وكبر الشبل وأصبح يافعاً متخرجاً معلماً، وأصبح قوياً في شخصيته. وما إن مر يوماً من الأيام من جوار بيت ذلك الرجل الذي منعه من تعنيف أصحاب الذبيحة، حتى وقعت عينه على ابنة ذلك الرجل الكريم. فعاد مسرعاً إلى والده وأخبره بأنه يريد الزواج من ابنة ذلك الرجل، إلا أن والده رفض وقال بأن تلك العائلة كبيرة في ذاتها، عالية في قدرها، قوية في مكانتها، كريمة في أفعالها، سخية في أيديها، وليس لهم قدرة على مصاهرتها ومجاراتها، وعرض عليه عدة بيوت للزواج منها حتى يبعد الشاب عن ذلك البيت، وأن يجد له بيتاً متواضعاً يكون مستواه الاقتصادي أقرب من مستوى أسرته آنذاك.
لكن الابن أصر على الزواج من تلك الفتاة ومصاهرة ذلك الرجل الكريم الذي لا يُشق له غبار في البطولة والكرم والشجاعة، فتوجه الابن إلى تلك العائلة، فصارح والد الفتاة وقال: أريد أن أتزوج ابنتك، وقام باستخراج خمسمائة ريال من جيبه وقال: هذا مقدم مهر ابنتك وأتقدم إليك لطلب الزواج منها. وما كان رد ذلك الوالد إلا أن قال: أبشر، ولن أرد طلبك يا من أكل “إلية” ذاك الخروف الذي كان محسوباً لضيافتي في زمان مضى.
وبعد عام من هذا الرد لم يحرك أي طرف ساكناً، حتى قابل الشاب والد الفتاة في أحد الأسواق الشعبية، فسلم عليه وقال له (الشاب): هل لا زلنا على الوعد؟ فرد الوالد: لا زلنا على الوعد، والآن يجب أن تمضي معي إلى المنزل. فترافق الاثنان إلى منزل والد الفتاة، ونسقا معاً على بقية المهر وترتيبات الزواج، وطلب منه إكمال المهر بمبلغ ألفان وخمسمائة ريال غير ما وصل سابقاً، فوافق الشاب بالرغم بأنه لم يكن يملكها، واتفقا أيضاً بأن يأتي الشاب ومعه جماعة من قبيلته.
وعاد الشاب مسرعاً إلى منزل والده، فجمع بقية المهر، فكان منه ما هو من ماله ومنه ما قام باستدانته، وطلب من قبيلته مرافقته في زواجه، فاجتمع له مائة وخمسون رجلاً حاملين البنادق والسيوف، متوجهين إلى مكان العروس، وأُقيم زواج ضخم في حينها كان محل إعجاب الجميع ومكاناً للحديث في المجالس..
لقد تزوج الشاب أخيراً، ففاز بالشحم واللحم في طفولته، وفاز بشيخة النساء في شبابه، فكانت له نعم الزوجة ونعم الرفيق في درب الحياة الطويل بعد أن أنجبت له عشرة من الأبناء والبنات.. فعلاً إنها قصة طفل جائع، وضيف كريم، ولقمة شحم تحولت بعد سنين إلى نسب وصهر ومودة، قصة تثبت أن اللقمة التي تعطى بكرم قد تعود بعد عشرين عاماً زواجاً مباركاً، وأن الرجل الكريم لا ينسى من احتمى بوجهه ولو بعد حين.
وهكذا انتهت قصة ذلك الشبل الصغير به فارساً يزف إليه مائة وخمسون رجلاً بالبنادق والسيوف. وما أعظمها من نهاية، فاز في أولها بالشحم واللحم حين كان طفلاً لا يملك من الدنيا إلا جوعه، وفاز في آخرها بشيخة النساء حين أصبح رجلاً لا يملك إلا صدقه ووفائه.
إن هذه القصة لتعلمنا أن الكرم لا يضيع عند الله ولا عند الناس، فذلك الضيف الكريم الذي حمى الطفل من البطش وهو لا يعرفه، كافأه الله بأن جعل ذلك الطفل نفسه زوجاً لابنته وأباً لأحفاده، وكأن الله يقول للكريم: من جبرت بخاطره صغيراً، جبر الله بخاطرك كبيراً.
فرحم الله تلك المرأة الصالحة التي كانت ثمرة هذا الوفاء، وأسكنها فسيح جناته، وأطال الله في عمر شيخنا الوقور، بطل القصة، الذي علمنا أن الرجولة مواقف، وأن اللقمة بطيب نية قد تفتح لك بيتاً وقلباً وقبيلة بأكملها.. وتبقى النماص بأهلها وقبائلها منارة للكرم، ومدرسة للوفاء، ما بقي الدهر.


التعليقات
تعليق واحد على "الرجل الذي فاز بالشحم وبنت الشيوخ – بقلم الكاتب أ. محمد غرمان العمري"
محاسب فؤاد غازي،، مصر،، كفر الشيخ
,
ماشاء الله،،، قصة رائعة ومفيدة وبها ربط للاحداث ومردودها ع الفرد والاسرة والمجتمع،،،
نتمسك بكل قيم وثوابت ديننا الحنيف ونمضي الي الله ف ظلالها الوافرة وننعم بمعيتها حتي نلقي رسول الله ﷺ ع الحوض ان شاء الله ثابتين ع الحق غير فاتنين ولا مفتونين،،، جزي الله كاتبنا خيرا وكل اهل النماص،،،