أولا :- مدخل : إن إقليم تهامة والسراة من أكثر أقاليم جنوب شبه الجزيرة العربية ثراءً من الناحية التاريخية والحضارية، إذ يجمع بين بيئة ساحلية ممتدة على طول البحر الأحمر، ومرتفعات جبلية شكّلت عبر العصور مراكز استقرار بشري ونشاط اقتصادي وثقافي. وانعكست هذه الخصوصية الجغرافية على طبيعة الحياة فيه، وعلى دوره في التاريخ الإسلامي المبكر والوسيط، سواء من حيث الحركة السكانية، أو الطرق التجارية، أو التفاعلات السياسية. غير أن هذا الإقليم – على الرغم من أهميته – لم يحظَ بعناية كافية في الدراسات التاريخية المتخصصة، إذ ظلّت مادته العلمية مبعثرة في بطون المصادر التراثية، دون أن تُجمع في إطار بحثي واحد يُبرز ملامحه ويكشف عن أبعاده.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب : دراسات في تاريخ تهامة والسراة خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة ( ق١ – ق١٠هـ / ق٧ – ١٦م) ، في جزأيه، للدكتور غيثان بن علي بن جريس (مؤرخ تهامة والسراة ) بوصفه محاولة علمية جادة لإعادة بناء صورة هذا الإقليم، من خلال جمع مادته التاريخية من مصادر متعددة، ثم إعادة تنظيمها في دراسات موضوعية متنوعة في الزمان والمكان. وقد صدر هذا العمل على مرحلتين ، الجزء الأول سنة (١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣م ) عن مكتبة العبيكان .والجزء الثاني نحو (١٤٣١هـ / ٢٠١٠م ) عن مطابع الحميضي بالرياض . وهذا الامتداد الزمني بين الجزأين يعكس بوضوح أن المؤلف لم يكتب عملاً سريعًا، بل مشروعًا علميًا تراكميًا، نما مع الزمن، وتطورت معه أدواته ومنهجيته.
ثانيا:- طبيعة الكتاب وبناؤه العلمي والمنهجي : إذا تأملنا البناء العام للكتاب، وجدنا أنه يقوم على فكرة أساسية، وهي تقسيم المادة التاريخية إلى دراسات مستقلة، بحيث يعالج كل موضوع على حدة، دون الالتزام بسرد تاريخي متصل. وهذا الاختيار ليس عشوائيًا، بل يعكس وعيًا بطبيعة الحقل؛ إذ إن كتابة تاريخ شامل لتهامة والسراة تتطلب تفكيك الموضوعات ،ودراسة كل قضية على حدة ، ثم إعادة تركيبها لاحقًا ، وهذا الذي حدث في إنجاز هذا العمل .
ويمكن وصف هذا النمط البحثي بأنه بناء تجزيئي تأسيسي ، أي أن المؤلف لا يبدأ بالتركيب ، بل يبدأ بالتفكيك، وهذا يظهر في تنوع الموضوعات ، وتفرق واستقلال الدراسات ، وعدم وجود تسلسل زمني صارم . فعند قراءة عدد من الدراسات، نجد أن المؤلف يتناول حدثًا أو موضوعًا معينًا ، ويجمع له المادة من مصادر مختلفة ، ثم يطبعه وينشره في إطار مستقل . وهذا الأسلوب يمنح العمل مرونة،و سعة في التناول ، لكن في المقابل يضعف التسلسل والترابط بين الموضوعات . وهناك بعض نقاط القوة في العمل ، ومنها : دراسة موضوعات مهملة، ومناقشة مجالات متعددة للبحث . ومن الملاحظات العامة ايضا ، غياب الخيط التاريخي العام،وصعوبة تكوين صورة شاملة مباشرة، وانتقال القارئ بين موضوعات متباعدة .
ويعتمد المؤلف في هذا المنجز العلمي على منهج استقرائي تحليلي ذو طابع جغرافي ، فقد قام بتتبع النصوص في مصادر متعددة،واستخراج ما يتصل بتهامة والسراة ، وهذا يتطلب قراءة واسعة جدًا ،ودقة في الالتقاط.ولا يكتفي الباحث بالنص، بل يعيد ربطه بالمكان ، وهذا جانب مهم جدًا، لأن كثيرًا من النصوص لا تُصنّف إقليميًا ، بل تحتاج إلى إعادة قراءة .ويظهر في عدد من المواضع أن الكاتب يورد الرواية التاريخية، ثم يحدد موضعها في تهامة أو السراة، ويقارن بينها وبين غيرها،وهذا يعكس وعيًا جغرافيًا ، ومحاولة لإعادة بناء الحدث. ومن نقاط القوة في الكتاب أمانة علمية واضحة ، ودقة الباحث في النقل، وقدرة جيدة على الربط التوثيقي ، ومن السلبيات قلة التفسير في بعض المواضع ، ومحدودية النقد الداخلي للنصوص .
ثالثا:- وقفة مع المادة العلمية في هذا الكتاب : من أهم عناصر الكتاب اعتماده على عدد كبير من المصادر، ومنها المصادر التاريخية وتشمل كتب التاريخ العام ، وبعض كتب الأمكنة والأحداث المحلية، وايضاً المصادر الجغرافية واللغوية والأدبية وكتب الرحلات ، وهي مهمة في تحديد المواقع والمعالم والأعلام وفهم البيئة و مايجري عليها من تحولات تاريخيّة وحضارية. وكذلك كتب التراجم وبعض الموسوعات بالإضافة إلى المصادر الشرعية وفي مقدمتها القرآن الكريم والتفاسير وكتب السنة .
وطريقة تعامل المؤلف مع هذه المصادر انه لا يكتفي بالنقل، بل يجمع ويقارن و يعيد الربط . ومما يحسب للباحث تنوع المصادر والاعتماد على الأصول وبذل جهد كبير في الجمع والتصنيف ، لكن العمل يظهر عليها ايضا قلة نقد المادة العاميةالموثقة ، و عدم الترجيح أحيانًا بين الروايات . والحقيقة ان هذا الكتاب بجزئيه يمثل مرحلة تأسيسية في كتابة تاريخ البلاد التهامية والسروية ، وكذلك إبراز الإقليم وتحويله من هامش إلى موضوع دراسة وتدوين يستوجب خدمته علميا وبحثيا ، وهذا الأمر من الجوانب الجيدة التي تحسب للدكتور غيثان بن جريس . ومن يتأمل في مادة الكتاب يجده – بدون شك – يفتح افاقا جديدة في عالم البحث العلمي ، و يحتوي على آراء وتوصيات علمية تفيد القراء والباحثين في تاريخ وحضارة التهاميين والسرويين ، وهذا من المنجزات الجيدة والإيجابية لخدمة هذه الأوطان في جنوب شبه الجزيرة العربية .
رابعا:- الخاتمة: يمكن القول إن هذا الكتاب ( دراسات في تاريخ تهامة والسراة …)،يمثل جهدًا علميًا واضحًا في سبيل إعادة بناء تاريخ البلدان السروية والتهامية الواقعة بين اليمن والحجاز ، وقد نجح المؤلف في جمع مادة واسعة، وربطها بالإطار الجغرافي، وفتح مجالات بحثية متعددة. وإذا كان العمل يحتاج إلى مزيد من التحليل والتركيب، فإن ذلك لا يقلل من قيمته، بل يؤكد أهميته بوصفه مرحلة أولى في مشروع علمي أكبر. وحبذا أن نرى إعداد كتاب تاريخي متصل وتفصيلي مع التوسيع في التحليل والمقارنة ، وكذلك تشجيع الباحثات والباحثين على إنجاز دراسات أكثر عمقا وتحليلا .








التعليقات