الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ الموافق ٢٣ رمضان ١٤٤٧ هـ

العلم السعودي بين دلالة اللون ونص الهوية ورمز العدل – بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري

العلم السعودي بين دلالة اللون ونص الهوية ورمز العدل – بقلم الدكتور غرمان بن عبدالله بن غصاب الشهري

ليست الأعلام في العادة أكثر من رموز سياسية تختصر تاريخ الدول في ألوان وأشكال، غير أن العلم السعودي يتجاوز هذا المعنى الشكلي ليصبح نصًا بصريًا كثيف الدلالة يجمع بين العقيدة والهوية والتاريخ، فهو ليس مجرد علامة سيادية للدولة، بل خطاب رمزي يختزل القيم التي قامت عليها المملكة منذ نشأتها، ويعيد تذكير المجتمع بها كلما ارتفعت هذه الراية في الفضاء العام.

وأول ما يلفت النظر في العلم السعودي اللون الأخضر الذي يغمر مساحته، وهذا اللون راسخ في الوعي الإسلامي وله ارتباط بدلالات متعددة، أبرزها: الحياة والنماء والسكينة، كما ارتبط تاريخيًا بالرايات الإسلامية في مراحل مختلفة من التاريخ، ومن ثم فإن حضور اللون الأخضر في العلم السعودي ليس اختيارًا جماليًا فحسب، بل هو إشارة حضارية إلى الامتداد الإسلامي للدولة وإلى البيئة الرمزية التي تشكلت فيها هويتها السياسية والثقافية.

غير أن الدلالة الأعمق في العلم السعودي تتجلى في النص المكتوب عليه: “لا إله إلا الله محمد رسول “؛ فهذه العبارة ليست شعارًا وطنيًا بالمعنى المتعارف عليه في أعلام الدول، بل هي أصل العقيدة الإسلامية، ومن ثم فهي تمثل في السياق السعودي إعلانًا صريحًا عن المرجعية التي قامت عليها الدولة، ووجود الشهادة في قلب العلم يجعل الهوية الوطنية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالهوية العقدية؛ بحيث يتحول العلم من مجرد رمز سياسي إلى بيان دائم عن طبيعة الدولة ومصدر قيمها.

وتحت هذا النص تأتي صورة السيف العربي، وهو عنصر رمزي يضيف بعدًا آخر إلى دلالة العلم؛ فالسيف في الثقافة العربية لم يكن مجرد أداة قتال، بل كان رمزًا للحق وإقامة العدل والدفاع عن القيم، ويمكن قراءة السيف في العلم السعودي بوصفه إشارة إلى القوة التي تحمي العقيدة وتدافع عن العدل؛ فهو ليس رمزًا للعنف، بل رمز للقوة المنضبطة التي تخدم الحق وتحرس المبادئ التي يجسدها النص المكتوب فوقه.

ومن خلال اجتماع هذه العناصر الثلاثة – اللون الأخضر، والنص العقدي، ورمز السيف – يتشكل العلم السعودي بوصفه بنية رمزية متكاملة؛ فاللون يفتح أفق الانتماء الحضاري، والنص يحدد جوهر الهوية، والسيف يرمز إلى حماية تلك الهوية وإقامة العدل في إطارها.

ومن هنا يمكن القول إن العلم السعودي ليس رمزًا ساكنًا يقتصر حضوره على المناسبات الرسمية، بل هو خطاب حي في الفضاء العام؛ خطاب يذكر المجتمع على الدوام بأن الدولة التي ترفرف هذه الراية فوقها قامت على التوحيد، وتوحدت تحت راية واحدة، وتسعى إلى أن يكون العدل فيها حارسًا للعقيدة وضامنًا للاستقرار.

ولهذا فإن النظر إلى العلم السعودي لا ينبغي أن يكون نظرًا إلى شكل أو لون، بل إلى معنى مركب يختزل قصة وطن.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *