أولا: مدخل : في بداية شهر جمادى الآخرة من عام ( ١٤٤٧هـ/ الموافق نهاية نوفمبر / ٢٠٢٥م) قدمتُ إلى مكة المكرمة قادمًا من مدينة أبها في جنوب المملكة العربية السعودية. وكانت البداية بأداء العمرة، ثم آثرتُ الإقامة والمجاورة في هذه المدينة المباركة.واخترتُ السكن في حي العزيزية الشمالية ، وهو من الأحياء التي تبعد عن المسجد الحرام مسافة تُقدَّر بنحو أربعة إلى خمسة كيلومترات تقريبًا. وقد أتاح لي هذا الموقع فرصة تأمل الفروق الدقيقة بين مركز المدينة المقدس ومحيطها العمراني والاجتماعي؛ إذ كنت أتردد على المسجد الحرام في أوقات متعددة من الأسبوع ، وأتنقل كذلك بين أحياء مكة وأسواقها وحدائقها ومراكزها ومرافقها المختلفة.
ولم تكن هذه الإقامة سكنًا عابرًا، بل كانت معايشة يومية حية؛ أراقب فيها حركة الناس، وإيقاع الحياة، وتحولات المشهد كلما اقتربتُ من الحرم أو ابتعدتُ عنه. ومن خلال هذا الاحتكاك المباشر، تشكلت لدي قراءة مختلفة لمكة المكرمة، لا بوصفها مقصدًا دينيًا فحسب، بل مدينةً نابضة بالحياة في شتى الميادين ، فهي ذات مركز روحي واضح، تحيط به دوائر متداخلة من النشاط الحضاري والاجتماعي والاقتصادي والمعرفي والثقافي.
ثانياً: المسجد الحرام (قلب المدينة وإيقاعها الروحي): خلال ترددي المتكرر على المسجد الحرام، كنت ألحظ مشاهد تتكرر يوميًا، لكنها لا تفقد أثرها في النفس. وأول ما يلفت النظر كثافة النشاط الروحي والديني؛ فالناس بين قائمٍ يصلي، وقارئٍ يتلو القرآن، ومتأملٍ في سكينة المكان، ومنقطعٍ إلى العبادة انقطاعًا قلّ أن يُرى في غيره. وفي أروقة الحرم وأركانه وجنباته تنتشر حلقات العلم والدروس الشرعية المنظمة بإشراف الجهات المختصة، حيث تتعدد اللغات والجنسيات والأعمار. وشاهدت بعض الحاضرين لا يعرف العربية، ومع ذلك يجلس منصتًا، ومنهم من يتلقى الدروس بلغته كالأردية والإندونيسية والتركية وغيرها. ويبدو المشهد العلمي داخل المسجد أشبه بخلية نحل منظمة؛ حركة هادئة، وانتقال سلس، وتفاعل دائم بين الأساتذة الشيوخ والطلاب وكل من يحضر مجالس الذكر .
وعند الأذان يتغير المشهد بصورة لافتة؛ كأن المدينة كلها تدخل حالة استنفار روحي. تُغلق المحال، ويسرع الناس إلى الوضوء، وتتجه الخطى نحو المسجد، حتى تمتلئ الساحات والطرقات بالمصلين. ويتحول الحراك التجاري والاجتماعي فجأة إلى انتظام تعبدي متناسق يتكرر خمس مرات في اليوم.ويبرز في هذا السياق الدور الكبير لرجال الأمن والعاملين في الحرم – رجالًا ونساءً – في إدارة الحشود وتنظيم الدخول والخروج، بما يعكس خبرة متراكمة وتجربة يومية متقنة. كما تتجلى الاحترافية في أعمال النظافة والصيانة، حيث تُستخدم آليات متخصصة تضمن بقاء المكان مهيأً دائمًا لاستقبال الوفود رغم كثافة الأعداد.وهكذا يتبين أن المسجد الحرام ليس موضع عبادة فحسب، بل هو القلب الذي ينظم إيقاع مدينة مكة المكرمة بأسرها؛ فإذا تحرك تحركت معه المدينة، وإذا سكن سكنت في ظلاله النفوس.
ثالثاً: الدائرة المحيطة بالحرم (التحول العمراني والاقتصاد الموسمي) : عند الانتقال من الحرم إلى محيطه العمراني، تبدو التحولات جلية مقارنة بما عُرف عن بساطة الماضي. فقد ارتفعت الأبراج والفنادق إلى عشرات الأدوار، واستقبلت ساكنين من داخل المملكة وخارجها، يقيم بعضهم ليوم أو يومين، وآخرون لأسبوع أو أكثر، يجمعهم قصد العبادة. وتتفاوت مستويات الفنادق وأسعارها تفاوتًا كبيرًا، وترتبط بحركة المواسم؛ فترتفع في رمضان والحج والعمرة، وتنخفض في فترات الركود. وكذلك المطاعم والأسواق، التي تنتشر بكثافة داخل الأبراج وخارجها، وتتباين في الأسعار والمساحات والخدمات، وغالبًا ما تكون أعلى من نظيراتها في الأحياء الأبعد بسبب القرب من المركز المقدس.
أما حركة النقل فتشكل شريانًا حيويًا؛ سيارات الأجرة، والحافلات، وخدمات الفنادق، كلها تعمل بوتيرة مستمرة، مع تنظيم دقيق من رجال المرور والأمن. ويتضح من لقاءات عابرة مع بعض السائقين أن نشاطهم الاقتصادي يرتبط مباشرة بالمواسم، مما يؤكد أن الاقتصاد في هذه المنطقة في جوهره قائم على خدمة الشعيرة. وفي قلب هذا المشهد، يتضح التنوع البشري اللافت؛ إذ ترى الإفريقي بجوار الآسيوي، والأوروبي إلى جانب العربي ، والشرقي والغربي والشمالي والجنوبي في أرجاء العالم ، يجمعهم اتجاه واحد ومقصد واحد، في صورة عملية لقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10} وقوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13}.وقال رسول الله ﷺ:«يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى.»رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه عدد من أهل العلم
رابعاً: دوائر مكة المكرمة السكنية(الحياة خارج المركز) : كلما ابتعدتُ عن الحرم، بدت مكة المكرمة مدينة سكنية متكاملة الخدمات؛ شوارع معبّدة، وأسواق، وشقق، ومساجد، ومكتبات، ومدارس، وكليات،ومستشفيات ومراكز صحية ، وورش صناعية، ومحال حرفية متنوعة. وتنتشر البقالات والمطاعم والصيدليات ومحطات الوقود في معظم الأحياء. وتتسم هذه الأحياء بتركيبة سكانية متنوعة؛ سعوديون ووافدون من آسيا وأفريقيا والدول الغربية و العربية وغيرها، يعمل كثير منهم في قطاعات خدمية وتجارية وصناعية. وقد صليتُ في عشرات المساجد الصغيرة والكبيرة، فوجدت صفوفًا متعددة يغلب عليها الوافدون العاملون في المهن المختلفة، في صورة تعكس عالمية المدينة.
وزرتُ كذلك جامعة أم القرى على طريق مكة – الطائف، حيث تتجلى صورة أخرى للمدينة بوصفها مركزًا علميًا أكاديميًا، إلى جانب كونها مدينة عبادة. ورغم هدوء هذه الأحياء نسبيًا مقارنة بالمنطقة المسجد الحرام المركزية، فإن روح الحرم لا تنفصل عنها؛ فكثير من السكان يحرصون على الصلاة في المساجد الواقعة داخل حدود الحرم، إدراكًا لفضلها، مما يعكس الامتداد الروحي من المركز إلى الأطراف.
خامساً: مكة المكرمة مدينة محورية( دعوة إلى كتابة تاريخها الاجتماعي المعاصر) : من خلال التنقل في الأحياء، وحضور المناسبات، واللقاءات مع السعوديين والمقيمين والزوار من جنسيات متعددة، بدا لي أن مكة المكرمة مدينة محورية، داخليًا وخارجيًا، متصلة بالطائف وجدة وغيرها عبر شبكة طرق حديثة ووسائل نقل متنوعة. غير أنني ألاحظ أن الدراسات ركزت كثيرًا على المسجد الحرام وتوسعته، بينما لا يزال التاريخ الاجتماعي والإنساني المعاصر لمكة بحاجة إلى دراسة منهجية توثق حياة الناس، وتحولاتهم الاقتصادية والعمرانية، وعلاقاتهم المتشابكة. لقد كتب الأزرقي والفاكهي والفاسي وبعض علماء أسرة آل فهد وغيرهم عن مكة في عصور قديمة ، أما مكة اليوم فهي أكثر اتساعًا وتعقيدًا وتنوعًا، مما يستدعي كتابة تاريخ حضاري واجتماعي معاصر يواكب هذه التحولات.
سادساً: مكة المكرمة في الذاكرة والتحول ( شهادة معايش): بوصفـي ابنًا لهذه البلاد ( المملكة العربية السعودية) وقد عرفتُ مكة منذ أكثر من خمسة عقود، وكانت رسالتي للدكتوراه عن مكة المكرمة والمدينة المنورة وماحولهما في العصر العباسي الأول، وكتبتُ عنها في عدد من المؤلفات والدراسات المطبوعة والمنشورة ورقيا ورقميا ، فإنني أستطيع القول إن التحول العمراني والتنموّي الذي شهدته المدينة في ظل الدولة السعودية الحديثة تحول عميق وممتد.
فمكة المكرمة اليوم مدينة حضرية كبرى؛ طرق واسعة، خدمات متطورة، مرافق تعليمية وصحية، تنظيم بلدي متقدم، واستعداد دائم لاستقبال الملايين. وكل جانب من هذه الجوانب جدير بدراسات مستقلة. وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ومع اقتراب شهر رمضان ( ١٤٤٧هـ / ٢٠٢٦م) بدا واضحًا حجم الاستعداد المجتمعي والرسمي لخدمة المعتمرين، وتنظيم أعمال البر، مما يعكس حيوية المدينة وتكامل أدوارها.
سابعاً: أثر المجاورة( مراجعة النفس والموازنة): لقد علمتني هذه المجاورة القصيرة أن القرب من المسجد الحرام يعيد ترتيب الأولويات، ويوقظ في النفس حس الموازنة بين الدنيا والآخرة. فالمكان يدفع الإنسان إلى مراجعة حساباته، وربط أعماله اليومية بنية صالحة، والسعي إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة الدنيوية واستحقاقات الآخرة. ورغم أنني درست تاريخ وحضارة مكة المكرمة وكتبت عنها وزرتها مرارًا، فإن هذه الإقامة الأخيرة أضافت لي بعدًا إنسانيًا جديدًا، وأكدت أن المسجد الحرام ليس معلمًا تاريخيًا فحسب، بل مركز إشعاع روحي عالمي تتجدد فيه المعاني.
ثامناً: خاتمة ( دروس وعبر وتوصيات):
1- أرى أن مدينة مكة المكرمة منظومة متكاملة مركزها المسجد الحرام.واقتصادها في جوهره مرتبط بخدمة الشعيرة.
2- التنوع البشري في هذه الحاضرة المقدسة ( مكة المكرمة ) ثروة حضارية عالمية، وتستحق الكثير من الدراسات العلمية التوثيقية التحليلية ، وبخاصة خلال هذا القرن ( ١٥هـ / ٢٠ ٢١م) .
3- والحقيقة ان المجاورة مدرسة تربوية تعيد ترتيب الأولويات، ومن يدرس حياة المجاورين في الحرمين الشريفين خلال العصور الإسلامية المختلفة سوف يطلِّع على مادة كثيرة من المعارف والدروس والعبر المتنوعة .
4- وأقول : تبقى مكة المكرمة تجربة تُعاش قبل أن تُكتب، ومدينةً تحتاج إلى مزيد من الدراسات الرصينة التي توثق حاضرها كما وثق المؤرخون ماضيها.













التعليقات