يأتي شهر رمضان المبارك كل عام محمّلا بنفحات إيمانية عظيمة، تتجدد فيه القلوب، وتسمو الأرواح، ويقبل المسلمون على الطاعات، طلبا لرضا الله ومغفرته، ولم يكن رمضان عبر التاريخ شهر عبادة فقط بل كان كذلك شهر قوة وعزة ونصر، شهد أعظم المحطات الفاصلة في تاريخ الأمة الإسلامية.
رمضان شهر القرآن والعبادة: ارتبط شهر رمضان بنزول القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ منَ الهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. وفيه يكثر القيام، والدعاء وتلاوة القرآن، والاعتكاف في المساجد والنوافل، فتصفو النفوس، وتتعاظم الصلة بالله، والتصالح مع الاقرباء وذوي الرحم ومع الآخرين، ويتهيأ الإنسان ليكون أقوى إيمانًا وأصلب عزيمة.
رمضان شهر البركات والخير والتكافل والتسامح: رمضان شهر تتضاعف فيه الأجور، وتفتح فيه أبواب الرحمة، وتغلق أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، وتبرز فيه قيم البذل والعطاء، من صدقات وزكاة وإفطار صائم، مما يعزز روح التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، ويجعل الأمة أكثر تماسكا وتضامنا.
رمضان شهر الصبر والعزيمة وبناء القوة ونشر العقيدة: الصيام مدرسة عظيمة لتربية النفس على الصبر والانضباط، وكبح الشهوات، والالتزام بالأخلاق الفاضلة، وهذه القيم الإيمانية هي التي تصنع الإنسان القادر على مواجهة التحديات، وتحمل المسؤوليات، وتحقيق النصر، وهو ما أثبته تاريخ المسلمين في شهر رمضان.
رمضان شهر النصر في تاريخ الأمة: فقد شهد شهر رمضان المبارك عددًا من أعظم الانتصارات الإسلامية التي غيّرت مجرى التاريخ، ومن أبرزها:
– غزوة بدر الكبرى (17 رمضان 2هـ)، أول معركة فاصلة في الإسلام، انتصر فيها المسلمون وهم قلة، ليؤكدوا أن النصر من عند الله لا بكثرة العدد.
– فتح مكة (20 رمضان 8هـ)، الذي مثّل ذروة العزة والتمكين، ودخول الناس في دين الله أفواجا.
– معركة عين جالوت (25 رمضان 658هـ)، حيث انتصر المسلمون بقيادة سيف الدين قطز على التتار، وأوقفوا زحفهم لضرب الإسلام والمسلمين في مقتل.
– حرب العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر 1973م) التي استعاد فيها العرب كرامتهم، وأعاد للأمة الثقة بنفسها وقدرتها على الانتصار.
إن شهر رمضان المبارك يجمع بين العبادة والعمل، وبين تزكية النفس وبناء القوة، وهو رسالة متجددة للأمة بأن طريق النصر يبدأ من الإيمان، وينطلق من الوحدة، ويتوّج بالأخذ بالأسباب، فمن أحسن اغتنام رمضان عبادة وأخلاقا وعملا، كان جديرا ببركاته وخيره ونصره.



التعليقات