في حقبة مضت كان السكن، لا يعدو عند تقسيمه في حال تزوج الأبن، سوى وضع “رواق” ستارة أو ساتر بين قسم الأسرة وقسم أو جناح الأبن وإن كان ذو سعة بنوا له ملحق صغير يسمى سلفة بفتح السين أو بضمه، وقد يؤخذ بعض من غرفة جارهم ليمتد بين البيتين ويتكون لديهم غرفة تغطي الطريق وتصبح سقفاً له، لذلك فهي مستلفة من الجار فهي ،سُلفة، ( استلفناها من جارنا الطيب)..
ثم مَن الله على هذه البلاد فتغيرت الأحوال وأصبحت الجغرافيا كرقعة الشطرنج، يتغير اللاعب كل مرة من منطقة لأخرى لكنه يحن لمسقط رأسه ومُقام أهله، عند الزواج يؤثق شقة لاتقل عن مجلس مقلط صالة غرفتي نوم وغرفة نساء وخدماتها من مطبخ ودورات مياه ومستودع، هذه الشقة كانت تستقبل الجماعة والأقارب، وعابري السبيل..
كانت الزوجة تعمل بكل الحب وتتجمل بالصبر والشيمة والرضا، ليبقى هذا البيت مركاز للكرم والبذل والعطاء، في هذه الشقة يخرج الأبن والأبنة وقد تعلموا كل أصناف الأعمال المنزلية والعلمية وتخرجا بعد ذلك من كليات الطب والهندسة والطيران وبعضهم هم اليوم من أكبر الأسماء في التجارة، عندما نستمع لبعض برامج الواقع التي تستضيف الحكاوتيين أو القصاصين نستمع لقصص من الفخر والصبر والإيثار، نعم هناك عوائل نعرفهم جيداً كانوا فندق خمس نجوم ولكن بدون أجر يعملون لله في إكرام الضيوف وإكرام الشباب المقبلون على الوظايف والحجاج والمعتمرون، ولم نسمع لهم شكوى، والكريم قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة..
ثم أتت “التطبيقات التفاعلية الإجتماعية”.. فكشفت السد وفضحت نفسيات أجيال ضاقت ذرعاً بتأريخ آبائهم وأجدادهم ، فصاغوا محتوىً نشر غسيل بعض البيوت وهذا الغسيل نفض أوساخه على أغلب البيوت، فأصبحنا نستجدي “السناعة” ونستجدي أخلاق من أداروا الفنادق المجانية السابقة الذكر، كثُر اليوم الحديث عن ترشيد الإنفاق، والإدخار وعلى صوت الإستثمار والربحية، في حين تراجعت البيوت الواسعة وتراجعت الضيافة وتراجع حتى اكتفاء البيوت بذاتها فأصبحنا نأكل ونتقهوى خارج البيوت أكثر من الداخل..
هل النوايا الطيبة تراجعت أكثر ؟ هل الفردانية خلقت لدينا بيوت ضيقة واستبعاد المجالس و المقالط والعيش، أنا وأهلي وبقية الناس،حسب المزاج، شيئاً فشيئاً رأينا الأسرة تتفكك، بداع الإستقلالية، والناس أصبحت تتقبل هذا الشيء لظرف الحياة الحاضرة، هذه الأمور مرت بها دول كثيرة من قبلنا منذ أكثر من نصف قرن، ولكن السؤال كيف لنا المحافظة على الهوية والقيم العليا؟ وعلى لم شمل الأسرة خاصة في ظل توفر وسائل التواصل الممكنة لمتابعة الأبناء والتواصل معهم..
الأكيد أن المرأة تتحرك.. وتنشط وتفرض ذوقها وطبعها واهتماماتها أيا كانت أم أو زوجه أو أخت فضعفها الذي يهابه الرجل يجعله يتفق معها ويتبعها حيث شاءت إلا أنه قد يتمرد عليها في مواضع ليته لم يفعل، فتلك المواضع هي مواضع مفصلية في سلامة الأسرة، وسلامة مسيرتها وسلامة جسمها العام، وقد تختل الأسرة وتنهار تماما لوجود هذا التمرد واستخدام سلطة الزوج أو سلطة الأبوة ..
في هذا الحال الضعيف يغيب المعنى الحقيقي للرجولة ويتضعضع مبدأ الشهامة والمروءة والنخوة، فيصد حين تعمى البصيرة فلا يرى هذا الضعف الشنيع إلا قوة معاندة، قد يهدم اسرته وهو لايدري، لذلك، عندما صدح الشيخ صالح بن حميد،”منادياً”: بأن أعيدوا للرجولة مكانتها فإنه قد وضع يده على الجرح الغائر وعلى موطن الألم الحقيقي، لذلك أيهوا بمثل ما أيه به الشيخ صالح؛ أعيدوا للرجولة مكانتها وقوتها، تكفون..!!
– ومضة: ”الرجولة: هو ذلك الجدار الذي تختبئ خلفه الأنثى وهي تثق تمامآ بأنه لن يسقط عليها مهما حصل ولن يؤذيها”… و دمتم بخير


التعليقات