حين تتقد الذاكرة ويتسع أفقها، لا يتسع المجال إلا لاستحضار مشروع فكري سعودي استثنائي يقوده «أينشتاين عسير» الدكتور غيثان جريس الشهري، ذلك الرجل الطموح والمفكر العبقري والمؤرخ الفذ الذي أنجبته منطقة عسير ليمثلها بجدارة في مجالات البحث التاريخي وعلوم الآثار ودراسة المجتمع القبلي والحضري، فكان المبدع الذي خلّد تاريخ المنطقة بمنهج علمي رصين، فخلّده التاريخ بدوره.
لقد أحدث الدكتور غيثان جريس فجوة معرفية واسعة بين مؤرخي عسير، إذ لم يسبقه أحد في توثيق تاريخها بهذا العمق العلمي والإطار البحثي المتكامل، ولا أعتقد أن يأتي من بعده من يضاهيه في هذا المستوى البحثي الفريد، الأمر الذي جعل من بحوثه مرجعًا علميًا موثوقًا يتوقف عنده الباحث عن الحقيقة بأعلى درجات المصداقية والأمانة العلمية، حيث منح الأحداث التاريخية والعادات الاجتماعية حقها الكامل من التوثيق والتحليل.
وتشرفت بلقائه بعد ثلاثة عشر عامًا في منطقة عسير، فكنت في كل لقاء أبحث عما ينقص ذاكرتي من مواقف وأحداث تاريخية، فوجدت لديه كنزًا معرفيًا ثريًا بتاريخ المنطقة، يقدّم المعلومة بسرعة ودقة وإقناع، وكأنه ينقض عليها كالصقر، دون تردد أو تلعثم أو غموض.
أما على المستوى الإنساني، فقد تجسدت أخلاق الدكتور غيثان جريس في صورة الوالد والأخ والصديق، حيث لمست فيه طيب المعدن، وصدق الابتسامة، وحسن المعاملة، وكان استقباله لمحبيه في منزله بمدينة أبها نموذجًا لأخلاقه الرفيعة وتواضعه الجم، وهي أخلاق لا تتغير باختلاف الزمان أو المكان، بل تزداد جمالًا ورونقًا مع مرور الوقت. وأكثر ما أثار الإعجاب في شخصيته حرصه على استقبال الطلاب الأجانب من الجامعات السعودية، وبخاصة جامعة الملك خالد، وهم من دول صديقة للمملكة العربية السعودية، حيث كان يستضيفهم في منزله الخاص الذي أعدّه لاستقبال الضيوف من مختلف الأقطار العربية وغير العربية، ويكرمهم ماديًا ومعنويًا في موقف نادر من أكاديمي تجاه طلابه، لا سيما بعد تقاعده.
كما تشرفت باستضافته في أحد مطاعم منطقة عسير، فكانت الاستفادة منه كبيرة منذ لحظة ركوبنا السيارة وحتى عودتنا إلى منزله، إذ رافقت رجلًا كريم الأخلاق، عظيم الخصال، دائم الابتسامة، طيب النفس والحديث، تبادلنا خلال العشاء الأحاديث والمشاعر التي تجبرك على مجاراتها أو الاقتباس منها، في وقت كان يضيق بنا شيئًا فشيئًا دون أن يضيق بنا صدره.
وأختتم الحديث عن هذا الشخص الكريم الذي لا يُدرك عمق أخلاقه وثقافته التاريخية إلا من كرّس نفسه لسنوات طويلة في هذا المجال، ويبقى السؤال مطروحًا: متى تنجب منطقة عسير من يفوقه في كنزه التاريخي أو يساويه على الأقل؟ – فلك يا سعادة الدكتور غيثان جريس نرفع القبعة ونرفع الرايات البيضاء في كل مكان ومحفل، تقديرًا لمكانتك العلمية العظيمة وسماحة أخلاقك الرفيعة.



التعليقات