الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ الموافق ٢٣ رجب ١٤٤٧ هـ

الكتب والمكتبات في جنوب المملكة العربية السعودية ( من أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى العصرين  الحديث والمعاصر ) – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن جريس

الكتب والمكتبات في جنوب المملكة العربية السعودية ( من أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى العصرين  الحديث والمعاصر ) – بقلم أ . د . غيثان بن علي بن جريس
1- المقدمة: تمثل الكتب والمكتبات ركيزة أساسية في نهضة المجتمعات ونموها الثقافي. وقد عرف العالم الإسلامي قيمة الكتاب منذ فجر الإسلام، حين ارتبط العلم بالمساجد وحلقات التدريس ونسخ المصاحف. ومع توسع الدولة الإسلامية ظهرت المكتبات العامة والخاصة، وانتقلت حركة العلم إلى أطراف الجزيرة العربية عبر طرق الحج والتجارة. وفي جنوب المملكة – عسير،و جازان،و نجران، والطائف،و الباحة – برز حضور واضح للكتاب والمكتبات عبر العصور، بدءًا من القرون المتأخرة وحتى عصرنا الحاضر.
 
2 – بدايات الكتب والمكتبات (القرن ١٢ – ١٣هـ / ١٨ – ١٩م ): كانت الكتب تصل إلى بلاد تهامة والسراة عبر طرق الحج والتجارة، كما حملها طلاب العلم الذين ارتحلوا إلى الحجاز واليمن ونجد. وظهرت مكتبات أسرية لدى العلماء مثل آل الحفظي في عسير، وبعض البيوتات العلمية في جازان ، وآل المكرمي في نجران، وأسر عديدة في الطائف ، ونواحي أخرى في تهامة والسراة ، واعتمد الناس على نسخ الكتب وتداولها، فكانت المكتبات بسيطة في الشكل لكنها غنية في المحتوى.
 
3- عصر الطباعة وتطور المكتبات (القرن ١٣ – ١٤ هـ / ١٩ – ٢٠ م ): مع انتشار الطباعة أصبحت الكتب المطبوعة تصل بكثرة إلى بلدان السراة وتهامة ، مما أدى إلى ازدهار المكتبات الخاصة عند العلماء والقضاة. من المكتبات البارزة في هذه المرحلة: مكتبات قضاة وأمراء وطلاب ورجال علم محدودين خلال العقود الوسطى من القرن الرابع عشر الهجري ، وبدأ يظهر إنتاج علمي محلي في التاريخ والفقه والأدب وغيرها من العلوم الإنساني.
 
4 – المكتبات في التعليم النظامي (١٣٧٠ – ١٤٠٠هـ / ١٩٥٠ – ١٩٨٠م)): بعد قيام الدولة السعودية الحديثة وانتشار التعليم النظامي، ظهرت المكتبات المدرسية ثم مكتبات المعاهد العلمية، وكان للمعلمين وأساتذة الكليات المتعاقدين ، ثم الوطنيين ، دور مهم وكبير في جلب الكتب المتنوعة ، ووجود المكتبات الخاصة وبعض المكتبات الحكومية الرسمية والتجارية ، وهذا التطور المعرفي شكل مصدرًا أساسياً للمعرفة. وانتقلت حركة القراءة من البيوت والمساجد إلى المؤسسات التعليمية.
 
5 – المكتبات الجامعية الحديثة: شهدت بعض بلدان تهامة والسراة تطورا في التعليمي الجامعي من نهاية التسعينيات في القرن الهجري الماضي ، وكذلك خلال العقدين الاوليين من هذا القرن (١٥هـ / ٢٠م) ، وواكب تلك الفترة تأسيس العديد من المكتبات الجامعية في كليات البنين والبنات . وبعد نشأت جامعة الملك خالد بأبها ، ثم جامعات جازان ، ونجران ، والباحة ، والطائف ، وبيشة زادت وتوسعت في إنشاء مكتبات ورقية ورقمية . وأصبحت المكتبات الجامعية مركزاً للبحث العلمي، وتوفرت فيها قواعد بيانات عالمية وأرصدة ضخمة من الكتب والرسائل العلمية.
 
6- الكتاب الورقي والرقمي – مقارنة وتطور: رغم تراجع استعمال الكتاب الورقي نسبيًا في العقدين الأخيرين ( ١٤٢٧ – ١٤٤٧هـ / ٢٠٠٦ – ٢٠٢٥م) إلا أنه ما يزال معتمداً في التوثيق والبحث العلمي. بينما يشهد الكتاب الرقمي توسعاً غير مسبوق بسبب سهولة الوصول إليه ،و قلة التكلفة المالية ، وانتشار الهواتف الذكية. وقد أدى الاعتماد على المصادر الرقمية إلى زيادة الإنتاج العلمي والبحثي في جامعات المملكة العربية السعودية عموما ، وتهامة والسراة خصوصا .
 
7- نماذج من المكتبات والكتب في جنوب المملكة العربية السعودية : يصعب حصر الكتب والمكتبات في مناطق جنوب المملكة العربية السعودية  ، لكن لايخلو بيت من كتب ومكتبات . وكذلك الإدارات الحكومية وهذا ماعرفته وعاصرته خلال العقود الثلاثة الاول من هذا القرن (١٥ هـ / ٢٠ ٢١م) . اما المدارس والكليات والمعاهد فهي الأمكنة المناسبة لوجود المكتبات المتفاوتة في أهميتها ومحتوياتها . كذلك أساتذة الجامعات والقضاة وطلاب العلم والباحثين فهم أكثر من يمتلك الكتب والمكتبات . وشاهدت في السنوات الأخيرة (١٤٣٥ – ١٤٤٧هـ/ ٢١٤ – ٢٠٢٥م) الكثير من طلاب العلم والقراء وأرباب القلم صاروا يزهدون ويتخلصون من مكتباتهم الورقية ، ويكتفون في بحوثهم وقراءتهم على المصادر والكتب الرقمية ، وهذه الظاهرة في نمو وازدياد سريع .
 
8- الخاتمة: إن تاريخ الكتب والمكتبات في جنوب المملكة العربية السعودية يعكس عمقاً حضارياً متجذراً عبر القرون. وقد انتقلت هذه الحركة من المخطوطات إلى الطباعة ثم إلى المكتبات الجامعية والرقمية، مما جعل بلدان تهامة والسراة مركزاً معرفياً جيدا في شبه الجزيرة العربية .
 
( * ) ومن التوصيات التي أراها :
1- جمع المخطوطات والوثائق الخاصة ورقمنتها .
2- إنشاء مراكز متخصصة لتاريخ الكتب والمكتبات في مناطق جنوب المملكة العربية السعودية .
3- دعم الدراسات الأكاديمية حول التراث العلمي في بلدان السروات وتهامة .
4- تعزيز ثقافة القراءة الورقية والرقمية بين الطلاب والباحثين.
5- هناك عشرات المكتبات العامة والخاصة التي عرفتها بلاد تهامة والسراة خلال المئة عام الأخيرة (١٣٤٥ – ١٤٤٦هـ / ١٩٢٦ – ٢٠٢٤م) ، والكثير منها اختفت أو تراجعت أهميتها والاعتناء بها ، وهي مجال خصب لدراسات علمية عميقة وجادة ، وعلى الباحثين أن يلتفتوا لدراسة مثل هذا المجال الحضاري المهم .
6- كما أن تاريخ الاعتناء بالمكتبات العامة والخاصة قديما وحديثا من الموضوعات الجيدة والجديدة في انجاز دراسات علمية مقارنة .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *