تشير مؤشرات اجتماعية متداولة إلى أن ما يقارب نصف حالات الزواج سنوياً في المملكة العربية السعودية تنتهي بالفشل، وهو رقم مقلق يستدعي وقفة جادة لفهم الأسباب الحقيقية، بعيداً عن التبرير السهل أو تحميل المسؤولية لطرف واحد دون الآخر.
يبدو أن جذور المشكلة تبدأ من طريقة الاختيار؛ إذ يتم الزواج في كثير من الحالات بصورة عشوائية، لا تقوم على توافق نفسي أو اجتماعي أو ثقافي أو علمي أو مادي أو عمري، بل تخضع لاختيارات تقليدية يغلب عليها القرار العائلي، حيث يكون للأم أو الأخوات دور محوري في اختيار الزوجة، دون منح الطرفين فرصة كافية للتعارف الواعي أو قياس درجة الانسجام الحقيقي بينهما، وهو ما يفقد الزواج منذ بدايته أحد أهم أركانه -القناعة والقبول.
يزيد الأمر تعقيداً غياب التأهيل قبل الزواج؛ فلا توجد قنوات فاعلة لدراسة الحالة النفسية أو الاجتماعية للزوجين، ولا برامج إلزامية تعرِّفهما بمسؤوليات الأسرة، أو بأساليب إدارة الخلاف، أو بطبيعة الشراكة الزوجية، أو بتحديات تربية الأبناء؛ نجد كثير من الأزواج يدخل الحياة الزوجية وهو يفتقد للحد الأدنى من الوعي الأسري، وكأن الزواج تجربة عفوية لا مشروع حياة يرتكز على الديمومة.
من العوائق أيضاً، المبالغة في الماديات وكثرة المطالب – التي أرهقت الأزواج، وخلقت ضغوطاً نفسية واقتصادية مبكِّرة، أدت إلى غياب التخطيط المسبق للطرفين، وأحياناً لا يُبنى الزواج على شراكة دائمة، بل على مصالح آنية واحدة أو أكثر من قبل الزوجة؛ كالحاجة للمال، أو الانجاب، أو المغامرة بالتجربة لدرء شبح العنوسة، تلجأ في نهاية المطاف لطلب الطلاق أو الخلع عندما تتحسن الظروف؛ أما الزوج فقد يدخل هذه الشراكة دون استعداد حقيقي لتحمل أعباء الأسرة ومسؤولياتها.
ومن المشكلات العميقة التي كثيراً ما تُهمل عند الاختيار غياب التوافق الديني والقيمي بين الزوجين؛ كأن يكون أحد الطرفين ملتزماً دينياً والآخر متساهلاً، وقد تختلف منظومة القيم والسلوك اختلافًا جذريًا. هذا التباين لا يظل حبيس القناعات، بل ينعكس في سلوكيات يومية تُحدث شرخاً عاطفياً وأخلاقياً داخل الأسرة.
لا يمكن إغفال تدخلات الأهل، حين تتجاوز حدود النصح إلى التخبيب والإفساد، بدوافع الغيرة أو الحسد أو السيطرة، فتُزرع الكراهية بين الزوجين حتى ينتهي الأمر بالانفصال. كما أن بعض الأزواج يستمرون بعد الزواج في نمط حياتهم السابق، من الإفراط في الخروج، أو الانشغال بالأصدقاء، أو الغياب الطويل عن المنزل، وكأن الزواج لم يضف إليهم أي التزام جديد تجاه الزوجة أو الأبناء.
إن الزواج ليس مناسبة عابرة ولا عقداً اجتماعياً شكلياً، بل هو مشروع إنساني واجتماعي مهم، لا ينجح بالعاطفة وحدها، ولا بالضغوط الاجتماعية، بل بالاختيار الواعي، والتخطيط المسبق، والتوافق الديني والقيمي، والتأهيل الحقيقي، والشراكة القائمة على الاحترام وتحمل المسؤولية. وما لم يُعاد النظر بعمق في ثقافة الزواج من جذورها، ستظل معدلات الطلاق والانفصال في تصاعد مقلق ومستمر.


التعليقات