السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ الموافق ٩ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ

رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام ( مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة ) – بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس

رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام ( مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة ) – بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس
أولا: مقدمة: تمثّل الرحلة إلى المسجد الحرام تجربةً روحيةً وحضاريةً في آنٍ واحد؛ إذ يجتمع فيها سفر الجسد في الجغرافيا، وسفر القلب في مدارج الإيمان. وحين تكون نقطة الانطلاق من مدينة أبها في أعالي السَّراة، متجهةً إلى مكة المكرمة عبر طرق متعددة تمرّ بالسهل والجبل والساحل؛ فإن الرحلة تتحوّل إلى لوحةٍ تكشف عمق الوحدة الوطنية والترابط الجغرافي بين مناطق المملكة العربية السعودية، وحجم المنجزات التنموية والخدمية على الطرق وفي المدن، وعظمة ما يجده الزائر من روحانية وخشوعٍ وخضوعٍ في رحاب البيت العتيق.
 
في هذه المقالة المختصرة أدوّن رحلة عُمريّة قمتُ بها برًّا من أبها إلى مكة المكرمة في شهر جمادى الأولى عام ( 1447هـ / 2025م)، تخللتها مشاهدات للطريق وخدماته وربطه بين أجزاء الوطن، ثم إقامة عدة أيام في مكة المكرمة، وما تخلّلها من مشاهد روحانية وتنظيمية في المسجد الحرام، ثم العودة إلى أبها عبر الساحل، مع تأمل أوسع لما رأيته من حركة عمرانية مستمرة.
 
ثانيا: أبها – حاضرة السراة وبوابة الجنوب السعودي:  تُعدّ أبها العاصمة الإدارية لمنطقة عسير، وإحدى أهم الحواضر في جنوب المملكة العربية السعودية. تقع على ارتفاع يناهز ( 2200 –2500م) فوق سطح البحر، وتمتاز بمناخ معتدل، وجغرافيا جبلية مميزة، وبنية عمرانية حديثة: مدارس وكليات، ومستشفيات، ودوائر حكومية وأهلية، وأحياء مخططة. كما لها دور تاريخي وثقافي في محيطها الجبلي والسهلي. ومن حاضرة أبها تتفرّع الطرق التي تربط السراة بتهامة والساحل والطائف ومكة المكرمة، مما يجعلها نموذجًا مصغرًا للترابط الوطني الذي وحّد أطراف المملكة العربية السعودية في جسد واحد، بعد أن كانت مناطق متباعدة متناحرة قبل توحيد البلاد على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (يرحمه الله).
 
ثالثا: شبكة الطرق بين أبها ومكة المكرمة: تكشف الطرق البرية بين أبها ومكة عن شبكة متكاملة من المسارات المعبّدة، الآمنة، المزودة بالخدمات ، التي جعلت الانتقال بين الجنوب والمسجد الحرام انتقالًا ميسورًا، بعد أن كان قبل عقودٍ سفرًا شاقًّا محفوفًا بالمخاطر.
 
1- طريق أبها – الدرب – القنفذة – المظيلف – مكة المكرمة (الطريق الساحلي): يبدأ من أبها عبر إحدى العقاب ( مثل عقبة ضلع )، نزولًا إلى منطقة الدرب، ويتجه شمالًا بمحاذاة الساحل مرورًا بالقنفذة والمظيلف والليث حتى مكة المكرمة. ويمتاز بالاتساع في معظم مقاطعه وتعدد مساراته، وانتشار محطات الوقود والخدمات (مطاعم،و متاجر،و استراحات، وشقق وغيرها)، وحضور واضح للدوريات الأمنية، ونقاط الهلال الأحمر، وأمن الطرق، ومداخل قرى منظّمة، ولوحات إرشادية واضحة، وخدمات أخرى أمنية واجتماعية واقتصادية متنوعة.
 
2 – طريق أبها – عقبة شعار – محايل عسير – البرك – المظيلف – مكة: ينحدر هذا الطريق من أبها عبر عقبة شعار إلى تهامة، ويمر بمحايل عسير، ثم البرك، ثم يتصل بالطريق الساحلي حتى مكة. ومن منجزاته: إصلاحات وتحسينات في العقبة، وحواجز أمان، وأكتاف للطريق، وكثافة عمرانية وخدمات (مدارس، وأسواق،ومستشفيات، ومراكز صحية)، ووفرة في المساجد والاستراحات ومحطات الوقود.

3- طريق محايل عسير – المجاردة – العرضيات – المخواة – المظيلف – مكة المكرمة: يربط هذا الطريق بين ثلاث مناطق: عسير، والباحة، ومكة. ويمر بمحايل، ثم المجاردة، فالعرضيات، فالمخواة، حتى المظيلف. وتتوزع عليه بلديات نشطة، ومشاريع صيانة وتوسعة، ومراكز تجارية، وخدمات متكاملة في كل محافظة يمرّ بها.

4- طريق أبها – النماص – تنومة – بلجرشي – الباحة – الطائف – مكة المكرمة ( طريق السراة ): طريق جبلي تاريخي يربط مدن السراة بعضها ببعض، ويصل إلى الطائف، ثم يتجه إلى مكة عبر عقبة الهُدى، أو طريق وادي السَّيل. وتظهر فيه حركة عمراني نشطة في مدن وحواضر السراة، وأنفاق، وجسور، وخدمات متعددة، ومشاريع تنظيمية حديثة.

5- طريق أبها – بيشة – رنية – الخرمة – الطائف – مكة المكرمة : يربط أبها بمحافظة بيشة، ثم يواصل إلى رنية والخرمة فالطائف فمكة، ويخدم سكان جنوب وشرق السراة، ويحتوي على مسارات متوسطة ، وخدمات وقود وتموين وصيانة، ونقاط أمنية، ومرافق حديثة. وهذه الطرق مجتمعة تبيّن كيف تحوّلت المملكة العربية السعودية إلى جسد واحد؛ فالمسافر من أقصى الجنوب إلى مكة أو المدينة أو الرياض أو الشرقية يتحرك داخل شبكة آمنة متصلة، وهي ثمرة توحيد هذا الوطن وبنائه الحديث.

رابعا: من الطريق إلى النسك – الإحرام من يلملم واستحضار النداء إلإبراهيمي:،  عند الوصول إلى ميقات يلملم (السعدية) وعقد نية العمرة ولبس الإحرام، ينتقل الإنسان من حال المسافر العادي إلى حال العابد المُلبّي. وفي تلك اللحظات يتجلى معنى قول الله تعالى:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (سورة الحج، الآية 27). ويستحضر القلب دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام:﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (سورة البقرة، الآية 126).كما يتذكّر المؤمن أن حرمة مكة المكرمة ليست قرارًا بشريًا، بل تحريمٌ إلهيٌّ قديم، كما في قول النبي ﷺ:«إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض» (رواه البخاري ومسلم).ومن هنا يبدأ العروج الروحي؛ إذ لا يعود الطريق مجرد أسفلت ومسافة، بل يصبح جزءًا من رحلة عبادية يحدّها الإحرام، ويعمّقها قصد البيت العتيق.

خامسا: الوصول إلى مكة – اللقاء الأول بالكعبة وتجليات الروح: ما إن يدخل الزائر إلى المسجد الحرام ويرى الكعبة المشرفة حتى يوقن بمعنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 96).ويشهد في الواقع الحيّ أن هذا البيت هدًى للعالمين حقًّا؛ إذ يرى وجوهًا من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وألسنةً ولغات لا تُحصى، وألوانًا وأعراقًا شتى، يجمعها: توحيد الله، واستقبال القبلة، والطواف حول البيت.ويتماهى المشهد مع قوله تعالى:﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران، الآية 97). فيشعر الداخل إلى الحرم بأمانٍ روحي، وطمأنينة قلبية، وانقطاع عن ضجيج الدنيا وهمومها.

سادسا: الروحانية في المسجد الحرام – وحدة الأمة في محراب واحد: داخل الحرم المكي تتجسد أعلى صور الوحدة الإسلامية: طائفون، وساعون، وراكعون، وساجدون، من شتى الأقطار؛ وقلوب خاشعة، ودموع جارية، وأكفّ مرفوعة، وألسنة تلهج بالدعاء، وصفوف صلاة تتراصّ لا فرق فيها بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي.ويظهر معنى قول النبي ﷺ:«الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» (رواه ابن ماجه).كما يُستحضر قول الله تعالى في وصف بيوت العبادة:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (سورة النور، الآية 36).والحرم أعظم تلك البيوت وأشرفها، ومن رحمة الله أن جعله قبلةً للمسلمين، يتّجهون إليه في صلاتهم في سائر بقاع الأرض، كما قال سبحانه:﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش، الآيتان 3–4).

سابعا: خدمات المسجد الحرام – منظومة تعمل على مدار الساعة: من أبرز ما يلمسه الزائر في المسجد الحرام:الأمن والتنظيم؛ فرجال الأمن منتشرون في الممرات والمداخل والمخارج، مع تنظيم دقيق للحشود في الطواف والسعي والصلاة، وإرشاد دائم للزوار والمعتمرين.وفرق تعمل ليلاً ونهارًا لتنظيف الأروقة والساحات ودورات المياه، مع عناية مستمرة بالمرافق والأرضيات والمصليات.وحافظات وبرادات لماء زمزم منتشرة في كل مكان، ونقاط تعبئة مجهّزة، وسهولة حصول الزائر على هذا الماء المبارك في أي وقت.وأنظمة تكييف ضخمة تهيئ جوًّا مناسبًا للعبادة، وشاشات ولوحات إرشادية إلكترونية توجّه الحشود وتقدّم التعليمات بلغات متعددة.ومراكز إسعاف ونقاط طبية قريبة من الحرم، وفرق إسعافية تتحرك بسرعة لخدمة أي حالة طارئة.ومكاتب للفتوى والإرشاد، ومترجمون بلغات مختلفة لخدمة الزوار، ونشرات وتعليمات واضحة لأداء المناسك بيسر.وهذه المنظومة المتكاملة تعكس حجم ما تبذله الدولة في خدمة الحرمين الشريفين، وجعلت من الحرم نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات في مكان ديني مقدّس.

ثامنا: مكة المكرمة – حاضرة عالمية في أوج تحولها التنموي: خلال الإقامة والتجوّل في مكة المكرمة، يظهر بوضوح أن المدينة تعيش مرحلة ازدهار عمراني وخدمي واسعة؛ فهناك أحياء عديدة مثل: العزيزية، والشوقية، والعوالي، والنسيم، وبطحاء قريش، والكعكية، والشرائع، والزايدي، والتنعيم، والمعابدة، وأحياء المشاعر المقدسة (منى ،ومزدلفة ، وعرفة)، ومخططات ولي العهد، والحمراء، وغيرها. وتتميز مكة بشوارع مخططة، وكباري وأنفاق تربط الجهات المختلفة بالمسجد الحرام، ومستشفيات ومراكز صحية متقدمة، ومدارس ، وكليات ، ومراكز تدريب، وأسواق تجارية ومجمعات حديثة.كما أن إزالة الأحياء العشوائية المحيطة بالحرم، وتهيئة مناطق جديدة للتوسعة، تشير إلى رؤية مستقبلية قوامها: استيعاب أعداد أكبر من المصلين والمعتمرين، وتحسين المشهد الحضري حول الحرم، ورفع جودة الحياة لسكان مكة المكرمة وزوارها.ورأيتُ مكة تعيش كثافة بشرية متنوّعة: أسرًا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وجالياتٍ إسلامية مستقرة قرب البيت الحرام وفي أرجاء المدينة، ووفودَ معتمرين وزوارًا طوال العام، لا سيما مع فتح باب العمرة وتيسير إجراءاتها. وهذا يعكس تحقّق النداء الإبراهيمي وامتداد أثر هذا البيت في قلوب المسلمين من كل فجٍّ عميق.

تاسعا: العودة إلى أبها – تأمل الطريق ووحدة الوطن: في رحلة العودة برًّا من مكة المكرمة إلى أبها عبر الساحل، بدا الطريق نفسه أكثر وضوحًا؛ إذ لاحظتُ مراكز عمرانية بأكثر تركيز، ومحطات وخدمات لم ألتفت إليها في الذهاب، ومشاريع صيانة وتوسعة مستمرة.ومن خلال الجمع بين رحلة الذهاب والعودة تتأكد صور عدة: ترابط جغرافي متين بين السراة وتهامة والساحل والطائف، وتكامل تنموي بين مناطق المملكة العربية السعودية، وأمن وطمأنينة في كل مرحلة من مراحل السفر.وهذا كله امتداد لمسيرة توحيد البلاد (المملكة العربية السعودية) في كيان واحد، من عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، حتى عهدنا الحاضر، حيث أصبحت هذه البلاد – بحمد الله – وطنًا موحّدًا، آمنًا، مترابطًا، يخدمه طريق واحد، وقلب واحد.
 
عاشرًا: الخاتمة (خلاصة، نتائج وتوصيات) : تُظهر هذه الرحلة من أبها إلى مكة المكرمة والعودة أن الطريق إلى الحرم ليس مجرد مسافة تُقطع، بل هو تجربة مركّبة يتداخل فيها:البعد الروحي: الإحرام، و رؤية الكعبة، والطواف، والدعاء،و التبتل.والبعد الحضاري: شبكة الطرق، والخدمات، والتنظيم، والأمن.وكذلك البعد الوطني: وحدة الجغرافيا،و تواصل المدن، وترابط المجتمع.وتكشف أيضًا عن عظمة نعمة الأمن والإيمان في هذه البلاد (المملكة العربية السعودية)، وعن عمق العناية بالحرمين الشريفين وضيوفهما.
 
1- أبرز النتائج:
 
أ- الطرق البرية بين أبها ومكة تمثل نموذجًا متقدمًا لوحدة البنية التحتية في المملكة العربية السعودية .
ب- الخدمات المنتشرة على الطرق (وقود، وإسعاف، وأمن،و تموين، ومساجد) تجعل السفر آمنًا وميسرًا.
ج- المسجد الحرام منظومة فريدة من نوعها في العالم، في جمعها بين القداسة والتنظيم العصري.
د- مكة المكرمة تعيش مرحلة ازدهار عمراني وخدمي، مع توسع مستمر في أحيائها ومرافقها.
هـ- الروحانية التي يعيشها الزائر في المسجد الحرم تؤثر في وجدانه وسلوكه، وتعيد ترتيب أولوياته الإيمانية.
و- الترابط بين مناطق المملكة العربية السعودية – كما تجسده شبكة الطرق – امتداد لمسيرة التوحيد التي أسّسها المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن (يرحمه الله)، ورسّختها الدولة في العقود اللاحقة.
 
2- بعض التوصيات:
 
أ- العناية بتوثيق الرحلات العِمْرية والحجية في دراسات علمية؛ لأنها مصادر مهمّة للتاريخ الاجتماعي والديني.
ب- تشجيع الباحثين والطلاب على دراسة شبكات الطرق الحديثة بوصفها عاملًا من عوامل الوحدة الوطنية.
ج- إعداد دراسات متخصصة عن خدمات الحرمين الشريفين وتطورها التاريخي، اعتمادًا على الوثائق والسجلات الرسمية.
د- الاستفادة من هذه المشاهدات في توعية الأجيال الجديدة بنعمة الأمن والوحدة والترابط في هذا الوطن المبارك (المملكة العربية السعودية).

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *