الأربعاء ١٤ يناير ٢٠٢٦ الموافق ٢٦ رجب ١٤٤٧ هـ

رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام ( مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة ) – بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس

رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام ( مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة ) – بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس
أولا: مقدمة: تمثّل الرحلة إلى المسجد الحرام تجربةً روحيةً وحضاريةً في آنٍ واحد؛ إذ يجتمع فيها سفر الجسد في الجغرافيا، وسفر القلب في مدارج الإيمان. وحين تكون نقطة الانطلاق من مدينة أبها في أعالي السَّراة، متجهةً إلى مكة المكرمة عبر طرق متعددة تمرّ بالسهل والجبل والساحل؛ فإن الرحلة تتحوّل إلى لوحةٍ تكشف عمق الوحدة الوطنية والترابط الجغرافي بين مناطق المملكة العربية السعودية، وحجم المنجزات التنموية والخدمية على الطرق وفي المدن، وعظمة ما يجده الزائر من روحانية وخشوعٍ وخضوعٍ في رحاب البيت العتيق.
 
في هذه المقالة المختصرة أدوّن رحلة عُمريّة قمتُ بها برًّا من أبها إلى مكة المكرمة في شهر جمادى الأولى عام ( 1447هـ / 2025م)، تخللتها مشاهدات للطريق وخدماته وربطه بين أجزاء الوطن، ثم إقامة عدة أيام في مكة المكرمة، وما تخلّلها من مشاهد روحانية وتنظيمية في المسجد الحرام، ثم العودة إلى أبها عبر الساحل، مع تأمل أوسع لما رأيته من حركة عمرانية مستمرة.
 
ثانيا: أبها – حاضرة السراة وبوابة الجنوب السعودي:  تُعدّ أبها العاصمة الإدارية لمنطقة عسير، وإحدى أهم الحواضر في جنوب المملكة العربية السعودية. تقع على ارتفاع يناهز ( 2200 –2500م) فوق سطح البحر، وتمتاز بمناخ معتدل، وجغرافيا جبلية مميزة، وبنية عمرانية حديثة: مدارس وكليات، ومستشفيات، ودوائر حكومية وأهلية، وأحياء مخططة. كما لها دور تاريخي وثقافي في محيطها الجبلي والسهلي. ومن حاضرة أبها تتفرّع الطرق التي تربط السراة بتهامة والساحل والطائف ومكة المكرمة، مما يجعلها نموذجًا مصغرًا للترابط الوطني الذي وحّد أطراف المملكة العربية السعودية في جسد واحد، بعد أن كانت مناطق متباعدة متناحرة قبل توحيد البلاد على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (يرحمه الله).
 
ثالثا: شبكة الطرق بين أبها ومكة المكرمة: تكشف الطرق البرية بين أبها ومكة عن شبكة متكاملة من المسارات المعبّدة، الآمنة، المزودة بالخدمات ، التي جعلت الانتقال بين الجنوب والمسجد الحرام انتقالًا ميسورًا، بعد أن كان قبل عقودٍ سفرًا شاقًّا محفوفًا بالمخاطر.
 
1- طريق أبها – الدرب – القنفذة – المظيلف – مكة المكرمة (الطريق الساحلي): يبدأ من أبها عبر إحدى العقاب ( مثل عقبة ضلع )، نزولًا إلى منطقة الدرب، ويتجه شمالًا بمحاذاة الساحل مرورًا بالقنفذة والمظيلف والليث حتى مكة المكرمة. ويمتاز بالاتساع في معظم مقاطعه وتعدد مساراته، وانتشار محطات الوقود والخدمات (مطاعم،و متاجر،و استراحات، وشقق وغيرها)، وحضور واضح للدوريات الأمنية، ونقاط الهلال الأحمر، وأمن الطرق، ومداخل قرى منظّمة، ولوحات إرشادية واضحة، وخدمات أخرى أمنية واجتماعية واقتصادية متنوعة.
 
2 – طريق أبها – عقبة شعار – محايل عسير – البرك – المظيلف – مكة: ينحدر هذا الطريق من أبها عبر عقبة شعار إلى تهامة، ويمر بمحايل عسير، ثم البرك، ثم يتصل بالطريق الساحلي حتى مكة. ومن منجزاته: إصلاحات وتحسينات في العقبة، وحواجز أمان، وأكتاف للطريق، وكثافة عمرانية وخدمات (مدارس، وأسواق،ومستشفيات، ومراكز صحية)، ووفرة في المساجد والاستراحات ومحطات الوقود.

3- طريق محايل عسير – المجاردة – العرضيات – المخواة – المظيلف – مكة المكرمة: يربط هذا الطريق بين ثلاث مناطق: عسير، والباحة، ومكة. ويمر بمحايل، ثم المجاردة، فالعرضيات، فالمخواة، حتى المظيلف. وتتوزع عليه بلديات نشطة، ومشاريع صيانة وتوسعة، ومراكز تجارية، وخدمات متكاملة في كل محافظة يمرّ بها.

4- طريق أبها – النماص – تنومة – بلجرشي – الباحة – الطائف – مكة المكرمة ( طريق السراة ): طريق جبلي تاريخي يربط مدن السراة بعضها ببعض، ويصل إلى الطائف، ثم يتجه إلى مكة عبر عقبة الهُدى، أو طريق وادي السَّيل. وتظهر فيه حركة عمراني نشطة في مدن وحواضر السراة، وأنفاق، وجسور، وخدمات متعددة، ومشاريع تنظيمية حديثة.

5- طريق أبها – بيشة – رنية – الخرمة – الطائف – مكة المكرمة : يربط أبها بمحافظة بيشة، ثم يواصل إلى رنية والخرمة فالطائف فمكة، ويخدم سكان جنوب وشرق السراة، ويحتوي على مسارات متوسطة ، وخدمات وقود وتموين وصيانة، ونقاط أمنية، ومرافق حديثة. وهذه الطرق مجتمعة تبيّن كيف تحوّلت المملكة العربية السعودية إلى جسد واحد؛ فالمسافر من أقصى الجنوب إلى مكة أو المدينة أو الرياض أو الشرقية يتحرك داخل شبكة آمنة متصلة، وهي ثمرة توحيد هذا الوطن وبنائه الحديث.

رابعا: من الطريق إلى النسك – الإحرام من يلملم واستحضار النداء إلإبراهيمي:،  عند الوصول إلى ميقات يلملم (السعدية) وعقد نية العمرة ولبس الإحرام، ينتقل الإنسان من حال المسافر العادي إلى حال العابد المُلبّي. وفي تلك اللحظات يتجلى معنى قول الله تعالى:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (سورة الحج، الآية 27). ويستحضر القلب دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام:﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (سورة البقرة، الآية 126).كما يتذكّر المؤمن أن حرمة مكة المكرمة ليست قرارًا بشريًا، بل تحريمٌ إلهيٌّ قديم، كما في قول النبي ﷺ:«إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض» (رواه البخاري ومسلم).ومن هنا يبدأ العروج الروحي؛ إذ لا يعود الطريق مجرد أسفلت ومسافة، بل يصبح جزءًا من رحلة عبادية يحدّها الإحرام، ويعمّقها قصد البيت العتيق.

خامسا: الوصول إلى مكة – اللقاء الأول بالكعبة وتجليات الروح: ما إن يدخل الزائر إلى المسجد الحرام ويرى الكعبة المشرفة حتى يوقن بمعنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 96).ويشهد في الواقع الحيّ أن هذا البيت هدًى للعالمين حقًّا؛ إذ يرى وجوهًا من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وألسنةً ولغات لا تُحصى، وألوانًا وأعراقًا شتى، يجمعها: توحيد الله، واستقبال القبلة، والطواف حول البيت.ويتماهى المشهد مع قوله تعالى:﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران، الآية 97). فيشعر الداخل إلى الحرم بأمانٍ روحي، وطمأنينة قلبية، وانقطاع عن ضجيج الدنيا وهمومها.

سادسا: الروحانية في المسجد الحرام – وحدة الأمة في محراب واحد: داخل الحرم المكي تتجسد أعلى صور الوحدة الإسلامية: طائفون، وساعون، وراكعون، وساجدون، من شتى الأقطار؛ وقلوب خاشعة، ودموع جارية، وأكفّ مرفوعة، وألسنة تلهج بالدعاء، وصفوف صلاة تتراصّ لا فرق فيها بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي.ويظهر معنى قول النبي ﷺ:«الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» (رواه ابن ماجه).كما يُستحضر قول الله تعالى في وصف بيوت العبادة:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (سورة النور، الآية 36).والحرم أعظم تلك البيوت وأشرفها، ومن رحمة الله أن جعله قبلةً للمسلمين، يتّجهون إليه في صلاتهم في سائر بقاع الأرض، كما قال سبحانه:﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش، الآيتان 3–4).

سابعا: خدمات المسجد الحرام – منظومة تعمل على مدار الساعة: من أبرز ما يلمسه الزائر في المسجد الحرام:الأمن والتنظيم؛ فرجال الأمن منتشرون في الممرات والمداخل والمخارج، مع تنظيم دقيق للحشود في الطواف والسعي والصلاة، وإرشاد دائم للزوار والمعتمرين.وفرق تعمل ليلاً ونهارًا لتنظيف الأروقة والساحات ودورات المياه، مع عناية مستمرة بالمرافق والأرضيات والمصليات.وحافظات وبرادات لماء زمزم منتشرة في كل مكان، ونقاط تعبئة مجهّزة، وسهولة حصول الزائر على هذا الماء المبارك في أي وقت.وأنظمة تكييف ضخمة تهيئ جوًّا مناسبًا للعبادة، وشاشات ولوحات إرشادية إلكترونية توجّه الحشود وتقدّم التعليمات بلغات متعددة.ومراكز إسعاف ونقاط طبية قريبة من الحرم، وفرق إسعافية تتحرك بسرعة لخدمة أي حالة طارئة.ومكاتب للفتوى والإرشاد، ومترجمون بلغات مختلفة لخدمة الزوار، ونشرات وتعليمات واضحة لأداء المناسك بيسر.وهذه المنظومة المتكاملة تعكس حجم ما تبذله الدولة في خدمة الحرمين الشريفين، وجعلت من الحرم نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات في مكان ديني مقدّس.

ثامنا: مكة المكرمة – حاضرة عالمية في أوج تحولها التنموي: خلال الإقامة والتجوّل في مكة المكرمة، يظهر بوضوح أن المدينة تعيش مرحلة ازدهار عمراني وخدمي واسعة؛ فهناك أحياء عديدة مثل: العزيزية، والشوقية، والعوالي، والنسيم، وبطحاء قريش، والكعكية، والشرائع، والزايدي، والتنعيم، والمعابدة، وأحياء المشاعر المقدسة (منى ،ومزدلفة ، وعرفة)، ومخططات ولي العهد، والحمراء، وغيرها. وتتميز مكة بشوارع مخططة، وكباري وأنفاق تربط الجهات المختلفة بالمسجد الحرام، ومستشفيات ومراكز صحية متقدمة، ومدارس ، وكليات ، ومراكز تدريب، وأسواق تجارية ومجمعات حديثة.كما أن إزالة الأحياء العشوائية المحيطة بالحرم، وتهيئة مناطق جديدة للتوسعة، تشير إلى رؤية مستقبلية قوامها: استيعاب أعداد أكبر من المصلين والمعتمرين، وتحسين المشهد الحضري حول الحرم، ورفع جودة الحياة لسكان مكة المكرمة وزوارها.ورأيتُ مكة تعيش كثافة بشرية متنوّعة: أسرًا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وجالياتٍ إسلامية مستقرة قرب البيت الحرام وفي أرجاء المدينة، ووفودَ معتمرين وزوارًا طوال العام، لا سيما مع فتح باب العمرة وتيسير إجراءاتها. وهذا يعكس تحقّق النداء الإبراهيمي وامتداد أثر هذا البيت في قلوب المسلمين من كل فجٍّ عميق.

تاسعا: العودة إلى أبها – تأمل الطريق ووحدة الوطن: في رحلة العودة برًّا من مكة المكرمة إلى أبها عبر الساحل، بدا الطريق نفسه أكثر وضوحًا؛ إذ لاحظتُ مراكز عمرانية بأكثر تركيز، ومحطات وخدمات لم ألتفت إليها في الذهاب، ومشاريع صيانة وتوسعة مستمرة.ومن خلال الجمع بين رحلة الذهاب والعودة تتأكد صور عدة: ترابط جغرافي متين بين السراة وتهامة والساحل والطائف، وتكامل تنموي بين مناطق المملكة العربية السعودية، وأمن وطمأنينة في كل مرحلة من مراحل السفر.وهذا كله امتداد لمسيرة توحيد البلاد (المملكة العربية السعودية) في كيان واحد، من عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، حتى عهدنا الحاضر، حيث أصبحت هذه البلاد – بحمد الله – وطنًا موحّدًا، آمنًا، مترابطًا، يخدمه طريق واحد، وقلب واحد.
 
عاشرًا: الخاتمة (خلاصة، نتائج وتوصيات) : تُظهر هذه الرحلة من أبها إلى مكة المكرمة والعودة أن الطريق إلى الحرم ليس مجرد مسافة تُقطع، بل هو تجربة مركّبة يتداخل فيها:البعد الروحي: الإحرام، و رؤية الكعبة، والطواف، والدعاء،و التبتل.والبعد الحضاري: شبكة الطرق، والخدمات، والتنظيم، والأمن.وكذلك البعد الوطني: وحدة الجغرافيا،و تواصل المدن، وترابط المجتمع.وتكشف أيضًا عن عظمة نعمة الأمن والإيمان في هذه البلاد (المملكة العربية السعودية)، وعن عمق العناية بالحرمين الشريفين وضيوفهما.
 
1- أبرز النتائج:
 
أ- الطرق البرية بين أبها ومكة تمثل نموذجًا متقدمًا لوحدة البنية التحتية في المملكة العربية السعودية .
ب- الخدمات المنتشرة على الطرق (وقود، وإسعاف، وأمن،و تموين، ومساجد) تجعل السفر آمنًا وميسرًا.
ج- المسجد الحرام منظومة فريدة من نوعها في العالم، في جمعها بين القداسة والتنظيم العصري.
د- مكة المكرمة تعيش مرحلة ازدهار عمراني وخدمي، مع توسع مستمر في أحيائها ومرافقها.
هـ- الروحانية التي يعيشها الزائر في المسجد الحرم تؤثر في وجدانه وسلوكه، وتعيد ترتيب أولوياته الإيمانية.
و- الترابط بين مناطق المملكة العربية السعودية – كما تجسده شبكة الطرق – امتداد لمسيرة التوحيد التي أسّسها المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن (يرحمه الله)، ورسّختها الدولة في العقود اللاحقة.
 
2- بعض التوصيات:
 
أ- العناية بتوثيق الرحلات العِمْرية والحجية في دراسات علمية؛ لأنها مصادر مهمّة للتاريخ الاجتماعي والديني.
ب- تشجيع الباحثين والطلاب على دراسة شبكات الطرق الحديثة بوصفها عاملًا من عوامل الوحدة الوطنية.
ج- إعداد دراسات متخصصة عن خدمات الحرمين الشريفين وتطورها التاريخي، اعتمادًا على الوثائق والسجلات الرسمية.
د- الاستفادة من هذه المشاهدات في توعية الأجيال الجديدة بنعمة الأمن والوحدة والترابط في هذا الوطن المبارك (المملكة العربية السعودية).

التعليقات

4 تعليقات على "رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام ( مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة ) – بقلم أ. د. غيثان بن علي بن جريس"

  1. محمد عوض الشهري :
    .
    تقبل الله طاعتكم وصالح أعمالكم.
    ويا سعد مرافقيكم

  2. التعقيب بقلم: أ . عبدالله بن ظافر اليوسي الشهري
    .
    أستاذي الدكتور غيثان جريس وفقك الله،
    شكرًا لك على وصف هذه الرحلة المنشورة بصحيفة النماص بتاريخ (٢٨ / ١١ / ٢٠٢٥)؛ تلك الرحلة التي جمعت الجسد جغرافيًا، والقلب روحًا، إلى أعظم بقاع الأرض.
    .
    فالرحلة إلى مكة ليست كغيرها من الرحلات؛ إنها رحلة عمر يُسقط فيها المسلم فرضه وركنه الركين إذا استطاع إليه سبيلًا، فيشعر المؤمن فيها بخصوصية الزمان والمكان.
    .
    لقد تتبعتُ سرد رحلتكم المباركة، فوجدتُ فيها دقة في الوصف، وروعة في التعبير، وتوثيقًا لخط السير ومحطات الوقوف والخدمات المقدمة على امتداد ٧٠٠ كيلومتر. ومن سافر في طرق بلادنا – نهارًا أو ليلًا – يجد أثر الأمن والأمان وجهود الدولة في التيسير على الحاج والمعتمر والمسافر.
    .
    كانت رحلتكم رسالة وثائقية رفيعة تُظهر لنا كيف نحيا في بلاد الحرمين تحت سقف الأمن والبركة، مقارنةً بغيرنا من أقطار الأرض.
    .
    شكرًا لك مؤرخنا الدكتور غيثان بن جريس على توثيقك لهذه الرحلة وعلى هذا الطرح الذي يستحق أن يُقرأ ويُوثّق.
    .

  3. التعقيب بقلم: أ. د. شايع بن عبده الأسمري
    .
    سعادة المؤرخ الدكتور غيثان بن علي بن جريس الموقّر،
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
    .
    فقد اطّلعت على مقالتكم الموسومة بعنوان:
    [رحلة رجل سَرَوِيٍّ من أبها إلى المسجد الحرام (مشاهدات وانطباعات أثناء الطريق وفي مكة المكرمة)] والمنشورة في صحيفة النماص اليوم الرقمية بتاريخ (٢٨ / نوفمبر / ٢٠٢٥م)، فأقول:
    .
    لقد أحسنت يا دكتور غيثان (أبو المثنى)، فأنت غيث بل غيثان اثنان؛ مستمران للعطاء في التاريخ والجغرافيا معًا. وقد وجدتُك وصفتَ وصفًا دقيقًا مختصرًا لهذه الرحلة البرّية من أبها إلى مكة المكرمة (ذهابًا وإيابًا)، خصوصًا لمن لا يعرف هذه الأماكن والطرقات وما عليها من خدمات تنموية واسعة ومتنوعة. فجزاك الله خيرًا، ولا زلتُ مستفيدًا منك – مع أني لا أرقى أن أكون تلميذًا لك في قاعة الدرس – وكما جاء في السنة النبوية: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
    .
    إلا أنّني لاحظتُ أنك لم تُورد بعض الملحوظات والمقترحات (التوصيات) التي تعود بالنفع على البلاد والعباد، وهي لا تخفى على باحث مؤرخ مثلك. وقد كان بإمكانكم – وفقكم الله – أن تُعزّزوا هذا الوصف ببعض ما يتمناه الناس من تطويرات، كما فعل الرحّالة ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما من كتّاب الرحلات والجغرافيين؛ الذين يذكرون المنجزات ويُشيرون كذلك إلى ما يُحتاج إلى تطوير، لعلّها تصل إلى صاحب القرار فيقرأها مؤرخ وجغرافي باحث صادق مثلكم، وقد أمضيت ما يقارب نصف قرن في البحث والعطاء وخدمة الوطن.
    .
    وأقول – بعد هذه المقدمة – إن أستاذنا المؤرخ قادر على إضافة مقترحات عملية مهمة، ومنها:
    .
    ١- إن مدينة أبها ومحافظاتها ومراكزها الكبيرة ذات الكثافة السكانية ما تزال تعاني من عقبتين غير مزدوجتين متصلتين بطريق الساحل. وقد بدأ مشروع الازدواجية من أكثر من عقد في طريق وادي تية ثم توقف، ولا يزال متعثرًا، خصوصًا في العقبة الرئيسة.
    .
    ٢-أما طريق الساحل فقد أحسنت الدولة – أيدها الله – بجعله ثلاث مسارات من جدة حتى قرب المظيلف، ثم أصبح التنفيذ فيها بطيئًا بل متوقفًا حسب المشاهدة. وهذا الطريق واجهة وطنية كبرى يخدم الحجاج والمعتمرين، وثلاث مناطق رئيسة هي جازان – عسير – نجران، وعدد سكانها بالملايين. ودولتنا المباركة لا تعجز – بحول الله – عن إتمام مشروع بدأته وقطعت فيه شوطًا معتبرًا.
    .
    ٣- إن مرور الطريق بمحافظات الساحل والهجر والقرى شكّل خدمة عظيمة، ويمكن أن يتحول إلى واجهة سياحية عالمية لولا أن الطرق الفرعية تتقاطع معه من كل جانب مما يهدد سلامة العابرين، والحوادث ما زالت مستمرة منذ عقود. ويمكن هندسيًا إنشاء جسور بتكلفة متوسطة، أو – كحل بديل – تقفيل الوسط والجوانب بسياج حديدي قوي يمنع تسلل المركبات والجمال، وهو حل موجود ومجرب في طرق عديدة من الليث إلى جدة.
    .
    ٤- على الرغم من الاهتمام الكبير بالتعليم العالي في بلادنا، إلا أن هذه المدن الساحلية والمراكز الحضارية لم تحظَ بوجود جامعة شاملة في وسطها، بل تقع الجامعات في أطراف بعيدة، مما يضطر الطلاب والطالبات بعد الثانوية لقطع مئات الكيلومترات إلى جدة أو مكة أو أبها. صحيح أن هناك فروعًا لجامعتي أم القرى والباحة، إلا أن التخصصات الدقيقة والنادرة غالبًا ما تكون في المقر الرئيسي مما يفوّت الفرص على كثيرين خاصة الفتيات.
    .
    ٥- إن هذه المدن الساحلية تستحق النظر في إنشاء مطار داخلي يخدمها، وسيكون مطارًا سياحيًا بالدرجة الأولى، ويستقبل الزوار من داخل المملكة وخارجها.
    .
    وفي الختام… فهذه تدوينات تلميذٍ لمؤرخٍ كبير يرى الأرض التي يسير عليها ويتمنى الخير لها، ولعل هذه المقترحات تجد آذانًا صاغية لدى المسؤولين والمهندسين ورؤساء البلديات، وأن تُرفع لأصحاب القرار.
    .
    ونسأل الله أن يحفظ وطننا الغالي، ويوفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – وأمراء المناطق.
    .
    والشكر موصول لأستاذنا المؤرخ غيثان بن جريس الجبيري الشهري على ما قدم وما يزال يقدم.
    .

  4. أبو فهد الأسمري / جدة
    .
    السلام عليكم
    🔴 أولا: نقد المنهج

    1) غياب الفكرة المركزية الواضحة

    تقول إن الهدف “تدوين رحلة عمريّة”، لكنك خلطت بين:

    وصف الطريق

    مدح الخدمات

    شرح التاريخ الوطني

    استشهاد آيات وأحاديث

    وصف مكة

    الحديث عن التنمية

    استخلاص نتائج وطنية

    تقديم توصيات بحثية

    هذا التشتت يجعل القارئ لا يعرف ما هي الرسالة الأساسية للمقال.

    2) غلبة “التقرير العقَدي” على “القيمة التحليلية”

    النص يصف ويُشيد ويُمجّد، لكنه لا ينتقد، ولا يقارن، ولا يحلل، ولا يناقش.
    المقالة الجيدة لا تكتفي بالوصف، بل:

    تُبرز الإيجابيات والسلبيات

    تناقش التحديات

    تقارن الماضي بالحاضر

    تطرح أسئلة أو رؤية نقدية

    وهذا غير موجود.

    3) كثرة المحاور المكررة

    أقسام كثيرة تُعيد نفس الأفكار:

    الأمن والخدمات

    الوحدة الوطنية

    الطرق المعبّدة

    الاهتمام بالحرمين

    التكرار واضح ويُضعف النص.

    4) ضعف الرابط المنطقي بين الأقسام

    الانتقال بين (الطريق → الروحانية → التنمية → العودة → النتائج) انتقال مفكك، وكأن كل جزء كتب في وقت منفصل.

    🔴 ثانيا: نقد اللغة والأسلوب
    1) لغة خطابية مبالغ فيها

    هذه اللغة عاطفية أكثر من كونها لغة مقال تحليلي.

    2) الجمل طويلة حد التخمة

    بعض الجمل تتجاوز 7 أسطر، وهذا يرهق القارئ.
    مثال: فقرات الخدمات والتنظيم في الحرم.

    3) غياب التنويع في الأسلوب

    الغالب وصفٌ مدرسي من نوع:

    يمتاز بـ

    تحتوي على

    تتميز بـ

    يتضح فيها

    مما يجعل القراءة رتيبة.

    4) استخدام مكثف للآيات والأحاديث بشكل تقريري

    ذكر الأدلة الشرعية أمر جميل، لكن الإكثار منها دون تحليل أو ربط عميق يجعلها زينة لغوية أكثر من كونها جزءًا من الحجة.

    🔴 ثالثا: نقد المضمون
    1) المثالية المفرطة

    النص يُظهر كل شيء كاملًا:
    الطرق ممتازة، الأمن كامل، الخدمات متقنة، مكة في أوج النمو… إلخ.

    لكن الرحلة الواقعية عادة فيها:

    اختناقات،

    ازدحام،

    قصور خدمات في بعض المناطق،

    تحديات عمرانية،

    اختلاف تجارب الناس…

    غياب أي لمسة من “الواقع غير المثالي” يجعل النص أقرب لخطاب رسمي.

    2) الوصف أحادي زاوية

    النص يرى كل شيء من زاوية الكاتب فقط (زاوية المديح والانبهار)، بينما لا يوجد:

    مقارنة بين الطرق المختلفة من حيث الجودة

    ملاحظات نقدية على أي مشروع

    اقتراحات تطويرية مبنية على ملاحظات واقعية

    هذا يُضعف قيمة التجربة المكتوبة.

    3) تضخيم موضوع الوحدة الوطنية

    كل فقرة تقريبًا تذكر:

    جسد واحد

    ترابط

    وحدة وطنية

    ثمرة التوحيد

    امتداد للماضي العظيم

    هذا يجعل المقال سياسيًّا/وطنيًّا أكثر من كونه رحلة شخصية، مما يقلل من عفويته، ويُشعر القارئ بأنه يقرأ مقالة مؤسسية أكثر من تجربة إنسانية.

    🔴 رابعا: نقد القيمة العلمية
    1) غياب المصادر

    المقال مليء بمعلومات:

    تاريخية / جغرافية / عمرانية / إحصائية

    لكن دون أي مصدر واحد.
    هذا يجعل النص غير علمي.

    2) التوصيات غير مرتبطة بما قُدّم فعلاً

    مثل:

    تشجيع دراسة شبكات الطرق

    توثيق الرحلات

    دراسات عن الحرمين

    التوعية الوطنية

    هذه توصيات عامة جدًا ولا تعتمد على بيانات أو تحليل.

    3) لا يوجد منهج للرحلة

    لم تبين:

    كم استغرقت؟

    ما هو مسارها الزمني؟

    ماذا لاحظت أثناء الإقامة تحديدًا؟

    كيف أجريت الملاحظات؟

    هذا يُضعف الجانب البحثي والتوثيقي.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *