3- طريق محايل عسير – المجاردة – العرضيات – المخواة – المظيلف – مكة المكرمة: يربط هذا الطريق بين ثلاث مناطق: عسير، والباحة، ومكة. ويمر بمحايل، ثم المجاردة، فالعرضيات، فالمخواة، حتى المظيلف. وتتوزع عليه بلديات نشطة، ومشاريع صيانة وتوسعة، ومراكز تجارية، وخدمات متكاملة في كل محافظة يمرّ بها.
4- طريق أبها – النماص – تنومة – بلجرشي – الباحة – الطائف – مكة المكرمة ( طريق السراة ): طريق جبلي تاريخي يربط مدن السراة بعضها ببعض، ويصل إلى الطائف، ثم يتجه إلى مكة عبر عقبة الهُدى، أو طريق وادي السَّيل. وتظهر فيه حركة عمراني نشطة في مدن وحواضر السراة، وأنفاق، وجسور، وخدمات متعددة، ومشاريع تنظيمية حديثة.
5- طريق أبها – بيشة – رنية – الخرمة – الطائف – مكة المكرمة : يربط أبها بمحافظة بيشة، ثم يواصل إلى رنية والخرمة فالطائف فمكة، ويخدم سكان جنوب وشرق السراة، ويحتوي على مسارات متوسطة ، وخدمات وقود وتموين وصيانة، ونقاط أمنية، ومرافق حديثة. وهذه الطرق مجتمعة تبيّن كيف تحوّلت المملكة العربية السعودية إلى جسد واحد؛ فالمسافر من أقصى الجنوب إلى مكة أو المدينة أو الرياض أو الشرقية يتحرك داخل شبكة آمنة متصلة، وهي ثمرة توحيد هذا الوطن وبنائه الحديث.
رابعا: من الطريق إلى النسك – الإحرام من يلملم واستحضار النداء إلإبراهيمي:، عند الوصول إلى ميقات يلملم (السعدية) وعقد نية العمرة ولبس الإحرام، ينتقل الإنسان من حال المسافر العادي إلى حال العابد المُلبّي. وفي تلك اللحظات يتجلى معنى قول الله تعالى:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (سورة الحج، الآية 27). ويستحضر القلب دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام:﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (سورة البقرة، الآية 126).كما يتذكّر المؤمن أن حرمة مكة المكرمة ليست قرارًا بشريًا، بل تحريمٌ إلهيٌّ قديم، كما في قول النبي ﷺ:«إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض» (رواه البخاري ومسلم).ومن هنا يبدأ العروج الروحي؛ إذ لا يعود الطريق مجرد أسفلت ومسافة، بل يصبح جزءًا من رحلة عبادية يحدّها الإحرام، ويعمّقها قصد البيت العتيق.
خامسا: الوصول إلى مكة – اللقاء الأول بالكعبة وتجليات الروح: ما إن يدخل الزائر إلى المسجد الحرام ويرى الكعبة المشرفة حتى يوقن بمعنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 96).ويشهد في الواقع الحيّ أن هذا البيت هدًى للعالمين حقًّا؛ إذ يرى وجوهًا من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وألسنةً ولغات لا تُحصى، وألوانًا وأعراقًا شتى، يجمعها: توحيد الله، واستقبال القبلة، والطواف حول البيت.ويتماهى المشهد مع قوله تعالى:﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران، الآية 97). فيشعر الداخل إلى الحرم بأمانٍ روحي، وطمأنينة قلبية، وانقطاع عن ضجيج الدنيا وهمومها.
سادسا: الروحانية في المسجد الحرام – وحدة الأمة في محراب واحد: داخل الحرم المكي تتجسد أعلى صور الوحدة الإسلامية: طائفون، وساعون، وراكعون، وساجدون، من شتى الأقطار؛ وقلوب خاشعة، ودموع جارية، وأكفّ مرفوعة، وألسنة تلهج بالدعاء، وصفوف صلاة تتراصّ لا فرق فيها بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي.ويظهر معنى قول النبي ﷺ:«الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» (رواه ابن ماجه).كما يُستحضر قول الله تعالى في وصف بيوت العبادة:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (سورة النور، الآية 36).والحرم أعظم تلك البيوت وأشرفها، ومن رحمة الله أن جعله قبلةً للمسلمين، يتّجهون إليه في صلاتهم في سائر بقاع الأرض، كما قال سبحانه:﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش، الآيتان 3–4).
سابعا: خدمات المسجد الحرام – منظومة تعمل على مدار الساعة: من أبرز ما يلمسه الزائر في المسجد الحرام:الأمن والتنظيم؛ فرجال الأمن منتشرون في الممرات والمداخل والمخارج، مع تنظيم دقيق للحشود في الطواف والسعي والصلاة، وإرشاد دائم للزوار والمعتمرين.وفرق تعمل ليلاً ونهارًا لتنظيف الأروقة والساحات ودورات المياه، مع عناية مستمرة بالمرافق والأرضيات والمصليات.وحافظات وبرادات لماء زمزم منتشرة في كل مكان، ونقاط تعبئة مجهّزة، وسهولة حصول الزائر على هذا الماء المبارك في أي وقت.وأنظمة تكييف ضخمة تهيئ جوًّا مناسبًا للعبادة، وشاشات ولوحات إرشادية إلكترونية توجّه الحشود وتقدّم التعليمات بلغات متعددة.ومراكز إسعاف ونقاط طبية قريبة من الحرم، وفرق إسعافية تتحرك بسرعة لخدمة أي حالة طارئة.ومكاتب للفتوى والإرشاد، ومترجمون بلغات مختلفة لخدمة الزوار، ونشرات وتعليمات واضحة لأداء المناسك بيسر.وهذه المنظومة المتكاملة تعكس حجم ما تبذله الدولة في خدمة الحرمين الشريفين، وجعلت من الحرم نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات في مكان ديني مقدّس.
ثامنا: مكة المكرمة – حاضرة عالمية في أوج تحولها التنموي: خلال الإقامة والتجوّل في مكة المكرمة، يظهر بوضوح أن المدينة تعيش مرحلة ازدهار عمراني وخدمي واسعة؛ فهناك أحياء عديدة مثل: العزيزية، والشوقية، والعوالي، والنسيم، وبطحاء قريش، والكعكية، والشرائع، والزايدي، والتنعيم، والمعابدة، وأحياء المشاعر المقدسة (منى ،ومزدلفة ، وعرفة)، ومخططات ولي العهد، والحمراء، وغيرها. وتتميز مكة بشوارع مخططة، وكباري وأنفاق تربط الجهات المختلفة بالمسجد الحرام، ومستشفيات ومراكز صحية متقدمة، ومدارس ، وكليات ، ومراكز تدريب، وأسواق تجارية ومجمعات حديثة.كما أن إزالة الأحياء العشوائية المحيطة بالحرم، وتهيئة مناطق جديدة للتوسعة، تشير إلى رؤية مستقبلية قوامها: استيعاب أعداد أكبر من المصلين والمعتمرين، وتحسين المشهد الحضري حول الحرم، ورفع جودة الحياة لسكان مكة المكرمة وزوارها.ورأيتُ مكة تعيش كثافة بشرية متنوّعة: أسرًا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وجالياتٍ إسلامية مستقرة قرب البيت الحرام وفي أرجاء المدينة، ووفودَ معتمرين وزوارًا طوال العام، لا سيما مع فتح باب العمرة وتيسير إجراءاتها. وهذا يعكس تحقّق النداء الإبراهيمي وامتداد أثر هذا البيت في قلوب المسلمين من كل فجٍّ عميق.












التعليقات