السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ الموافق ٩ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ

تدهور العادات الغذائية بين جيل الأمس وجيل اليوم – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

تدهور العادات الغذائية بين جيل الأمس وجيل اليوم – بقلم الكاتب أ. محمد آل مخزوم الغامدي

لم يكن جيل الماضي بحاجة إلى ما نراه اليوم من انتشار المطاعم والمقاهي وازدحام الناس عليها. فقد كان ذلك الجيل يعتمد اعتماداً شبه كامل على طعام المنزل، حيث تتقن المرأة إعداد الوجبات اليومية بمهارة، ويشارك الرجل أحياناً في تجهيز الشاي والقهوة، ويتعاون الجميع في إعداد الطعام من محاصيل الأرض ومنتجات البيئة المحلية.

هذا التفاعل اليومي داخل المنزل لم يكن مجرد عادة غذائية، بل كان جزءاً أساسياً من نمط حياة صحي واجتماعي؛ فالناس كانوا يأكلون طعاماً طازجاً، ويعرفون مصدره، ويتحركون ويعملون ويتبادلون الزيارات والنشاطات، فانعكس ذلك على صحتهم وأجسادهم وقوة بنيتهم.

لكن مع تغيّر نمط الحياة وتزايد المشاغل وظهور ثقافة الاستهلاك المفرط، أصبح الاعتماد على المطاعم والمقاهي ظاهرة متسعة. صارت الوجبات السريعة خياراً يومياً للكثيرين، وأصبحت المقاهي محطات يتوقف عندها الشباب والكبار عدة مرات في اليوم، حتى صار البعض لا يعرف طعم القهوة المصنوعة في المنزل، ولا يدرك قيمة الطعام الذي يُعدّ بأيدي أفراد الأسرة. هذا التحول لم يغيّر العادات فقط، بل ضرب جذور الترابط الأسري، وغيّر شكل الحوار داخل البيوت، وحوّل المطبخ إلى غرفة مهجورة لا تُستعمل إلا نادراً.

وما يزيد الأمر خطورة أن كثيراً من المطاعم تقدّم أصنافاً تعتمد على مواد مصنّعة، وملوّنات، ومحسّنات طعام، ومواد حافظة، إضافة إلى زيوت رديئة تُستخدم مراراً، مما يجعل الوجبة الواحدة محمّلة بكمية عالية من الأملاح والدهون والسعرات الحرارية. ومع ضعف الرقابة في بعض المنشآت، وغياب الاهتمام بتدريب العمالة على معايير النظافة وجودة التحضير، يتحول الطعام من مصدر للغذاء إلى عبء على صحة الإنسان.

لقد ارتفعت معدلات السمنة، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل المعدة والقولون بين أفراد الجيل الحالي بشكل لافت. هذه الأمراض – التي كانت نادرة في الماضي – أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية للناس، وتعود في كثير من أسبابها إلى العادات الغذائية الحديثة. ومع ذلك، يواصل الكثيرون الاعتماد على الوجبات الجاهزة دون إدراك للخطر، أو رغبة في تغيير نمط العيش.

ولا يقتصر التأثير على الصحة فحسب، بل يتعداه إلى الجانب المادي. فالإقبال المستمر على المطاعم يستنزف ميزانيات الأسر، ويجعل مصروف الطعام أكبر من أي وقت مضى، بينما كان الناس في الماضي يعيشون بإمكانيات بسيطة، ومع ذلك يطعمون بيوتهم من خيرات الأرض ومن مهارات أيديهم، دون أن يشعروا بضغط مادي أو عبء اقتصادي.

إن العودة إلى جزء من عادات الماضي ليست دعوة للرجوع عن التطور، بل هي تذكير بأهمية التوازن. فالمطاعم خيار متاح وجيد عند الحاجة، ولكن لا ينبغي أن تكون بديلاً دائماً عن المطبخ المنزلي. فطعام البيت أطيب، وأوفر، وأكثر أماناً، ويعيد للأسرة دورها الطبيعي في إعداد غذائها وتربية أبنائها على قيم الاعتماد على النفس.

ويبقى السؤال: هل يدرك هذا الجيل خطورة اعتمادهم المفرط على المطاعم؟ – وهل يفكرون في إعادة إحياء ثقافة الطبخ المنزلي؟ أم أننا نتجه إلى مستقبل يكون فيه الطعام الجاهز هو السيد، والصحة هي الثمن؟.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *